
هل كان على قنديل نذرا راح قبل أن يُسدد.. أم أن قصائده القليلة الوافية كانت رهانا كسبه هو وخسرناه نحن؟.. وما الذى يدفع مؤسسة مثل الهيئة المصرية العامة للكتاب "مكتبة الأسرة" أن تعتنى بـ "الآثار الشعرية الكاملة لعلى قنديل"؟.. الشاعر الذى فارق الدنيا ولم يتجاوز الثانية والعشرين من عمره.. والذى مر على وفاته ما يتجاوز السبعة والثلاثين عاما.. وما زال شعره البكر طازجا بما يليق بموهبة حقيقية.. فقد ولد الشاعر على قنديل فى الخامس من إبريل عام 1953 فى كفر الشيخ.. كتب الشعر.. ومات فى يوليو 1975 فى كفر الشيخ.. لكن ظل الشعر شاهد قبره الحقيقى.
الإجابة لا شىء سوى الشعر الذى تجلى فى ديوانه الوحيد الذى صدر بعد حياته، والذى قدمه الشاعر الكبير محمد عفيفى مطر، وكان عنوانه "كائنات على قنديل الطالعة".
على قنديل أدرك مبكرا أنه ولد مذهولا بقوة دفع الأسئلة.. أسئلة متعلقة بالذات والكون وعن علاقتهما الشائكة.. لذا قال عن نفسه:
أنا الشعر/ والشعر ياقوتتى الأنثوية/ هل الكون يعلم أنى أغنى لآخر ما بعثرته جياد البرية؟.. هذا جزء من هوية على قنديل الحالمة الواثقة الطامحة.. ويمكننا أن نقول الإصلاحية.. يتعرف فيها الشاعر على نفسه بعيدا عن الرومانسية الضعيفة.. بعيدا عن البكاء والانتظار السلبى.. بل بطريقة صوفية وبنوع من الفناء يبدأ فى إثبات ذاته ووجوده من حيث يدرك هو قدر نفسه ومن حيث يدركه الخلود.. يجمع بينه وبين الشعر فى جملة واحدة.. تكتمل بهما معا.. إن ضاع أحد طرفيها ضاع الآخر.. "أنا/الشعر".. فى هذه القصيدة المسماة "هوية" جعل الشعر قسيمه المشترك فى كل شىء، قال: "أنا النار، والشعر لحمى.. أنا الدم، والشعر نهر.. أنا الطين، والشعر فأس".. هذه هى الجمل الأساسية التى قام ببناء قصيدته/ ذاته على أساسها.. والتى من خلالها صاغ هويته الحقيقية التى يعترف بها.. ونشير إلى أن البحث عن الهويات الخاصة من خلال الشعر سمة سائدة فى القصيدة الحديثة، وهى ترتبط عادة بالاغتراب الداخلى الذى يفرضه الاضطهاد الخارجى والتوتر المحيط، وعلى هذا اقتربنا من القلق الذى كان يسيطر على الشاعر/ الشاب على قنديل، والذى دفعه لما هو أكثر من البحث عن بديل.. دفعه لإيجاد الكينونة الكاملة فى الشعر والقصيدة.. لذا يقول فى قصيدة "كائنات على قنديل الطالعة": "علىَّ أن أكون اللون الثامن من قوس قزح".. وجعل عنوان هذه الجملة الشعرية "أرق" وعلى هذا يكون الوجود الحقيقى الهادف مرتبطا بالقلق والأرق المفروض علينا.. بما يوحى بالقدرة على الحياة.
على قنديل السابح فى قصيدته القصيرة.. كان يسير على خطى الشعر يقفز بين صورة وأخرى.. بين جملة وثانية بشعرية واضحة.. يعانق الموسيقى أو يتركها.. حسبما تقتضى القصيدة.. رغم سنه الصغيرة عاش تجربة مكتملة بين الحلم والانكسار، عاش الهزيمة ومرارتها.. وحلم بالنصر.. على قنديل الذى منحه الله أسرار الشعر.. فأصبح ساكنا فى شعره.. الفتى القادم من كفر الشيخ إلى القاهرة الغادرة التى تملك قوانينها المختلفة المتغيرة التى تصب كلها فى كونها جافة وحادة.. كيف كانت مرارات الهزيمة فى حلق الشاعر الشاب.. كيف كان الأمل وكيف كان الخطو نحو الانتصار.. هنا مرحلة مهمة من الحياة نجدها فى قصيدة قصيرة لحياة قصيرة معتمدة على الموهبة الخالصة.. فقد مثلت أشعار على قنديل تجلى الموهبة الحقيقية ليس بعيدا عن الثقافة المتاحة ولكن بعيدا عن الثقافة الخالصة.
من خلال ديوان على قنديل المكتمل بتجربته القصيرة، يمكن لنا أن نطل على المقاومة الناعمة من خلال الكلمة، ورغم أن الديوان يمتلئ بالرؤى الصادقة وبالطرق الفنية اللافتة، والتى نجدها فى تنوع بناء قصائده وشكل كتابته، لكننا سنتوقف عند جانب من تلك الرؤية يتعلق بالمدينة فى محاولة لإدراك تجربته القلقة.. كل القادمين من القرى تؤرقهم المدينة الحلم/ الكابوس.. يتحيرون فى وصف تعلقهم الغريب بها وخوفهم منها.. فى مشهدية خاصة به يدخل على قنديل إلى القاهرة فى توجس رغم صراحة العنوان "القاهرة" لكنه لا يعترف بسهولة ولا يستسلم للدخان .. يسائل الأشياء التى يعرفها والنخيل والبريد والقطارات.. ويدخل القاهرة فى طقس أسطورى ضبابى حيث انغرست لافتة أولى: "القاهرة" وحيث "الساعة على عكس إيقاع القلب تدق" هو الآن يدخل القاهرة يلوذ بالحسين والنيل والمقطم بلا فائدة، فالقاهرة تملك قوانينها الصارمة الهندسى واللهبى والجدلى.. وخلاصة علاقة الشاعر بالمدينة أنه يحب أطراف المدينة ويخشى قلبها.. نلاحظ أن الكتابة عن المدينة قد أخذت شكلين واضحين تعلق الأول بكتابة التفعيلة فى قصيدة القاهرة وتتعلق الثانية بقصيدة النثر فى "أطراف المدينة".. يحاول فى الأولى فى بداية قدومه أن يحفظ توازنه وأن يبعد غربته بالغنائية وأن يقيم علاقة طيبة بالمدينة.. وكان يعرف أنه سيخسرها.. فى الثانية واجه قسوتها وحدد متطلباته منها "هناك فى أطراف المدينة أحلم بأن أكون دائما هناك".
الوعى والإدراك والهوية والإيمان بقيمة الشعر هى على قنديل الشعرى.. ومدخلات قراءة نصه.. فهو يعترف خلال كتابته القصيدة بأن الشعر والأفكار والألم والبحث عن الإنسان من نصيب المجانين "أنا وهاملت ونيتشه ثلاثة مجانين".. كان مستعدا لتحمل نصيبه من الألم.. لكنه أبدا غير مستعد لأن يكون غير الذى يقصده.. ففارق الحياة وهو يتساءل "هل خنتنى يا شعر؟".