د.خالد العـسـقـلانى يكتب: تاكسى النهاردة

الجمعة، 14 سبتمبر 2012 12:21 م
د.خالد العـسـقـلانى يكتب: تاكسى النهاردة صورة أرشيفية

مر وقتٌ طويل منذ آخر مرة شعرت فيها بالحاجة لاستئناف مشروعى الكتابى "تاكسى النهاردة".

فقد مرت الأيام، وعاشت البلاد فى مراحل وحالات لم يكن فيها عندى الدافع للكتابة عن أى شئ سوى حال البلد، ولم يكن القارئ أيضا فى حالة مزاجية تدفعه لقراءة ما دون ذلك .

وبخلاف الكاتب والقارئ، كان سائقو التاكسى كذلك صامتين طيلة الوقت وعانيتُ عكس ما عانيت منه سابقا .

سابقا كنتُ أشكو سائقى التاكسى، شكوت فضولهم، وكلامهم، وثرثرتهم، و"فتيهم" فى كل شىء لدرجة إنى قلت كم أتمنى أن أدفعَ الواحدَ منهم خارج التاكسى، وأكمل أنا طريقى بنفسى ثم أترك السيارة له فى مكانٍ ما ولن تنقص شيئا بطبيعة الحال سوى قليلٍ من النفط .

هكذا كان الوضع سابقًا .
أما الآن فسائقو التاكسى أصبحوا قليلا ما ينطقون .
عامٌ واحد
عامٌ واحد فقط .... كان كفيلا بأن يصبح السائقون جميعهم فى صمتٍ تام... (على الأقل معى)... وأرجعت ذلك بتحليلى إلى أنهم يخشون إذا تحدثوا عن البلد فشتموا الإدارة الحالية للبلاد أن أنقلب وأثور عليهم وأدافع عنها... وإذا عظـّـموها أن أكون أنا من أنصار المنصة.. فيفضلوا السكوت
هكذا أرجعت صمتهم، خاصةً مع الشباب، وخاصةً معى .

إلى أن جاء ذلك اليوم حين قابلت سائقا أقل ما يوصف به أنه مثير للدهشة والاهتمام ، والحيرة والإعجاب .

كان الجو فى ذلك اليوم حارا قليلا ..
أوقفت التاكسى فطلبت منه أن يوصلنى فوافق مباشرةً، وكان ذلك أول ما يثير الدهشة .


ركبت السيارة، وباغتنى بالكلام :
- حرّان ؟؟
- لأ مستعجل

لا أدرى تماما العلاقة بين حرّان ومستعجل ولكن هكذا قلت... فاستطرد الحديث :

- وهو المستعجل يركب تاكسى ؟؟
- أركب ايه طيب ؟
- اِركب توكتوك
اصطنعت الضحكة كالعادة، ثم سألنى عن الساعة فأجبته: الثانية عشرة والنصف، فسألنى:
- وعايز توصل امتى ؟
- لحد واحدة إلا ربع أنا فى السليم
- عايز توصل فى ربع ساعة ؟!
- أنا عموما بوصل فى 10 دقايق لو الطريق كويس
- طب يارب يطلع الطريق كويس

ومضينا فى طريقنا، حتى صادفتنا سيارة، وقد عـُــلق عليها ميكروفون كبير، وبداخلها شخص ينادى: "اقرأ الحادثة.. البنت اللى قتلت أمها.. اقرأ الحادثة.. الكلب المتحول"..
فقال :
- شفت الجورنال ده ؟؟

فقلت له :
- جرايد صفرا بقى
- اممم.. حضرتك تعرف يعنى إيه جرايد صفرا ؟؟
- الجرايد اللى بتألف الأخبار بدل ما تنقلها من الواقع .
فسكت برهة واستطرد :
- لأ قصدى تعرف أصل الكلمة جاى منين ؟؟
- لأ بصراحة مش عارف


فقال :
- الجرائد الصفراء دى نسبةً إلى جرائد الفضائح فى انجلترا، التى تتبع أخبار المشاهير وفضائحهم، وكان لون أوراقها أصفر، فأصبح بعد ذلك مصطلح الجرائد الصفراء يطلق على الجرائد المشبوهة فى أى مكان حول العالم .
هنا بدأت أشعر بالاهتمام بهذا الشخص الذى يقول ما لا أعرف .. ولمعت عيناى، فاستأنف حديثه :
- تعرف إن الجرايد دى كانت سبب موت الأميرة ديانا ؟؟
لم أكن أعرف كيف ماتت الأميرة ديانا أصلا غير أنها ماتت فى حادثة

فسألته :
- إزاى يعنى ؟
- تعرف قصة الأميرة ديانا ؟
- لأ مش أوى
- الأميرة ديانا كانت تسمى أميرة القلوب، وكانت جميلة جدا، وكان زفافها زفافا أسطوريا، وسمى زفاف القرن العشرين، حين تزوجت الأمير تشارلز، على اعتباره أول حفيد للملكة إليزابيث.
عاشت ست الحسن مع البرنس، وبعدين البرنس كان بيحب عليها واحدة أد أمه كان اسمها تقريبا ليدى "باركر" .. المهم الأميرة عرفت ومستحملتش واتطلقوا .
ولما اتطلقت حبت دودى الفايد.. ابن محمد الفايد يعنى.. واتجوزته.. وعاشوا فى تبات ونبات، ولحد هنا مفيش مشكلة ..
بدأت المشكلة بالنسبة للعيلة المالكة لما الأميرة ديانا بقت حامل .
ودى بالنسبة لهم كارثة ...
لأن الأميرة ديانا عندها ولد من ولى العهد، ولو خلفت هتخلف أخو ابن ولى العهد.. من برة العيلة المالكة .. دى مصيبة بالنسبة لهم .!
فيقال إن فى ناس كانوا متابعينها، وبيصوروها، ويتعقبوها ..
لحد ما حصلت حادثة فى نفق بيوصل بين فرنسا وإنجلترا نتيجة لمطاردة أشخاص للأميرة ديانا وجوزها .
واتقال بعد كده إن المخابرات الانجليزية هى اللى كانت بتطاردهم عشان يتخلصوا من وجود أخ لابن ولى العهد .

زاد اندهاشى بذلك الرجل وقلت :
- وازاى تبقى الجرايد الصفرا اللى قـتـلتها ؟؟

فقال :
- ماهو الناس اللى كانوا بيصوروها كانوا بينشروا الصور فى جرائد الفضايح فى انجلترا
وهما برده السبب فى إنه اتعرف إن ولى العهد كان بيحب ليدى باركر .

قلت له :
- الناس دى أكيد كانوا يعرفوا حد مصرى.
- لأ على فكرة طبائع الشعوب إلى حد كبير بتتشابه، والناس بتحب تعرف أخبار المشاهير، بس تفضل تعرف لحد إمتى ؟؟ هى دى الفكرة .
- لأ أعتقد الشعب المصرى أكتر فى موضوع تعقب الفضايح ده.
- آه .. بحكم الفضا.. بحكم إن هما فاضيين.. احسبها كده.. اتنين موظفين موراهمش أى حاجة .. يعدوا تكلموا فى ايه ؟؟ يعدوا يجيبوا سيرة الخلق... لكن الناس بره بيحترموا قيمة العمل.. وقيمة الوقت ..

- واللى بره برده أكتر مننا دلوقتى فى احترام الخصوصية..
- طول عمرهم ..
فسألته :
- انت سافرت برة قبل كده ؟؟
- سافرت بس السعودية، مسافرتش أوروبا .
- أصل حضرتك مثقف يعنى.. انت أصلا حضرتك متخرج من ايه ؟
- مش هتفرق كتير
- ليه ؟
- عادى يعنى مش موضوع الشهادة اللى بيفرق
إحنا مبنفكرش، ولو فكرنا مبنشتغلش، ولو اشتغلنا مبنشتغلش باتقان
- احنا فعلا مبستثمرش الناس .
- احنا أصلا مبنفكرش
- يعنى حضرتك مش عايز تقول متخرج من ايه ؟
- مش لازم بقى يا ذوق.. قلتلك مش بتفرق

هات أى حاجة كده وشوف إحنا بنفكر فيها صح ولا لأ.. بجد والله
يعنى بص قدامك كده .. اللى معلق مشنقة على ازاز العربية ده عايز ايه يعنى ؟؟؟ حاططها ليه ؟؟!
أخذنى فاصل من الضحك (غير المصطنع هذه المرة) ... واستكمل كلامه :
- يعنى أنا أفهم إن لو كاتب الأميرة جنى فرحان ببنته، ماشى، بس مشنقة ليه يعنى على ازاز العربية ؟ بيخوّفنا مثلا ؟؟
ضحكت هُنا من قلبى... فالشعب المصرى فعلا لديه كثير من الأشياء غير المفهومة ..
التى تدعو للسخرية والنقد والضحك والحزن فى نفس الوقت .

وصلنا أخيرًا إلى وجهتنا
أوقف سيارته.. ونظر إلى ساعته وقال :

- واحدة إلا ربع بالظبط يا ذوق


أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة