هانى كشك يكتب: جذور الأحزان

الأحد، 05 أغسطس 2012 02:22 ص
هانى كشك يكتب: جذور الأحزان صورة ارشيفية

لماذا لا تجد الأحزان مكاناً لتسكن فيه إلا فى أعماقنا؟ ولماذا لا نجد السعادة إلا قشورا ضعيفة تتهاوى سريعا؟ تضرب الأحزان جذورها فى الأعماق وتترسخ فينا وتمر السعادة علينا كنسيم الصيف ضيف خفيف ليس لديه الاستعداد للجلوس، ولكنه جاء ليطمئن عليك فقط ثم يتركك سريعًا، وهو يعدك بالزيارة مرة أخرى، ولكنه لا يحدد موعد هذه الزيارة.. تضربك الأحزان سريعا والسعادة تكون لطيفة ومن لطفها تعرض عليك دائما أن تتركك وحيدًا.

هل الأحزان تسكننا أم أننا نحن الذين نسكنها أو تعودنا عليها ولا نستطيع أن نفارقها؟ ولماذا نستسلم لها ونحب أن نعيش فيها؟ ثم لماذا نجد فيها الحكمة وكأن السعادة هى التفاهة أو الطيش؟ تتملكنا الأحزان وكأنها وقعت معنا عقدا طويل الأمد أو عقد احتكار غير قابل للتغيير أو وضعتنا فى سجن مظلم وسلبت منا حريتنا.. ليت الأحزان تفهم أننا لا نريدها.
وتتنوع طرق تعبيرنا عن الحزن فتارة نبكى وتارة نجلس وحدنا فى خلوة لا نريد من أحد أن يجالسنا فيها وتارة نكتب وكأننا لا نجد من يخفف عنا الألم سوى بضع كلمات نكتبها ونصور فيها أحزاننا وتارة أخرى نخلد إلى النوم، وهى الطريقة التى أفضلها، وكأننى أهرب من الأحزان وأرجوها ألا تطاردنى فى أحلامى فإن جاءتنى فى منامى ضيعت على فرصة الهروب منها بل حاصرتنى وجعلتنى أتلوى على فراشى لا أنا نائم ولا أنا مدرك ما يحدث من حولى وهى تتعبنى فى هذه الحالة إلى الدرجة، التى لا أعرف كيف أتصرف معها وكثيرًا ما حدث هذا.

والمشكلة الرئيسية فى الهموم أن مصادرها عديدة، وهل تخلو الحياة من مشاكلها؟ فعندما أشاهد نشرة الأخبار لا أجد فيها إلا ما يبعث على الهم والحزن وكأن الأخبار يجب أن تكون هكذا تحطمك. وعندما أراهم يتحدثون فى البرامج التليفزيونية أجدهم لا يتفقون دائمًا على رأى واحد وكأنهم اتفقوا على ألا يتفقوا.. أما فى الشوارع فحدث ولا حرج فمن كثرة السلبيات التى حولنا كنت اغمض عينى ثم اوجهها ناحية اليمين مثلا وافتحها فأجد الباعة يحتلون الرصيف ببضاعتهم فأغمضها مرة أخرى وأوجهها ناحية اليسار فأجد شجارًا قد دار بين قائدى السيارات أى أن السلبيات حولى فى كل مكان فهل هذا هو المجتمع الذى يبعث على الأمل.. وقد ينظر البعض إلى أنها أشياء صغيرة ولكنها هموم المجتمع أنظر إليها وأفكر فيها دائما فكثيرا ما كنت أسير فى الشارع أتأمل فى كل شىء حولى لذا فأصبحت مهموما بكل شىء حولى.. وكثيرا ما فقدت الأمل فى التغيير وقليلا ما انتابنى شعور بأن كل شيء سيصبح جميلا، ولكنها مسألة وقت.. متى؟ لا أعرف ولكنه أمل.

ولم أر السعادة إلا فى الرضا عن النفس وأعود وأسأل نفسى ومن منا يرضى عن نفسه وما هو سبيلنا إلى الرضا؟.. هل بصفاء النفس نرضى؟ هل نقبل على الله؟ هل نقلع عن الذنوب؟ وتظل كلمة (هل) تطاردنى أبحث بها عن طريق أو مخرج إلى أن أجد نفسى مهموما مرة أخرى وأفكر وأفكر والتفكير فى حد ذاته باعثا على الهم.. وكيف لا أفكر وأعيد حساباتى وأراجع أفكارى؟ لن أستطيع.. ولاشك أن القرب من الله هو مايحقق لنفسك الرضا والسعادة والطمأنينة ولكنك تعيش وأنت تحمل هموم مجتمعك على كتفيك، فإما أن تفكر فيها وإما أن تريح نفسك من عناء التفكير أصلا.. والتفكير هو فريضة فرضها الله عليك أما الهموم فقد فرضها الإنسان على نفسه بأفعاله.

وقديما رسخ المثل الشعبى (لا تعايرنى ولا أعايرك ده الهم طايلنى وطايلك) نفس الفكرة أى أن الهموم تحاصرنا جميعا أنا وأنت وكل الناس لامهرب منها فلا تحدثنى عن همومى فلديك مايكفيك ويقول البعض (متقلبش المواجع) وكأننا نتناسى الهموم والأحزان ونطلب ممن يحدثنا ألا يحدثنا عنها فهى خامدة فى أعماقنا فإن تحدثنا عنها تقلبت علينا وطفت على سطح حياتنا وعكرتها والبعض يسخر من الهموم عندما يقول (هم يضحك وهم يبكى) وكأن هناك هموما مضحكة وهموما أخرى مبكية، وهذا يتفق مع الحكمة القائلة (شر البلية ما يضحك).. يبدو أننا يجب أن نتأقلم مع الحياة بالهموم وأن نجد طريقة للتعامل معها.


أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة