شـرفـات
-1-
عالم لََمََى وصوفي
لم تكن هناك أية صور، فقط تلك النقاط السوداء التى تملأ الشاشة، وصوت وشيش لا يهدأ!
قبل ذلك بدقائق لفت عرض الطائرات على الشاشة نظر لَمَى، ومنت نفسها بمتعة مشاهدة تلك الأشكال المعدنية ذات الأجنحة وهى تدور فى السماء. لم تركز الكاميرا على الطائرات طوال الوقت، وظل حاملها منشغلا بهذا الرجل الأسمرالذى يشبه عمها كثيرًا ب"زبيبة" الصلاة على جبهته، لكنه يرتدى زيًّا عسكريًّا ويجلس فى مقصورته مراقبًا العرض. وحين ملت من الاحتفال المنقول من الإستاد مباشرة، والذى لا تعرف سبب إقامته أصلا، سرحت فى عالمها الخاص، مع أنقاض هدية أبيها الجديدة، لعبة السيارة التى تحولت إلى ركام وبقايا معدنية وبلاستيكية، بفضل رغبة الصغيرة فى استكشاف أسرارها. تفكك أجزاءها المتبقية. تعيدها إلى مكوناتها الأولية. تحولها إلى كم كبير من التفاصيل المتناثرة.
حتى انقطع الإرسال التليفزيونى فجأة!
كان صوت الوشيش المزعج دافعَا قويًّا للنظر إلى الجهاز، ومتابعة تلك النقاط السوداء المنتشرة على شاشته التى اعتادت عليها مع انتهاء الإرسال الليلي، لكن أشعة الشمس ما زالت متناثرة خلف الشبابيك المغلقة، ومع ذلك لم يستوقفها الأمر كثيرًا، بل وجدته ذريعة مناسبة لترك موقعها على الكنبة الخشبية المواجهة للتليفزيون، والدخول إلى الشرفة الواسعة، منتهزة فرصة انشغال والدتها فى المطبخ. تعرف أن هذا ممنوع فى غير وجود الكبار خوفًا من أن تشب وتتعلق بالإفريز وتسقط من الدور الثاني، لكنها الآن بعيدة عن الرقابة يدفعها الملل والفضول.
دخلت الشرفة الواسعة، حيث يمكنها مراقبة عصافير الخواجة اليونانى المنتشرة على إفريز شرفته لتلتقط الحَبَّ. لم تحب لَمَى تلك العصافير الرمادية التى يطلق عليها الأطفال "عصافير المجاري" كما أنهم يطلقون على اليونانى لقب الخواجه "بوسطه" حتى نسى هو ذاته اسمه، لكنها كانت تنتظر حتى تنتهى العصافير من التقاط الحَبِّ الذى ينثره لها الخواجه بنفسه، وتطير، وترتاح على إفريز السطح المقابل، أو تنتشر على الأشجار اليابسة، قبل أن تبتعد فى اتجاه السماء، وتصبح مجرد نقاط صغيرة. تتابعها لَمَى بشغف وفرحة تمسح وجهها، وتتغير مشاعرها تجاهها، كأنها ليست العصافير المتربة التى كانت تلتقط نثار اليونانى منذ قليل.
أشاعت الجارة العجوز التى تقطن فى الشقة المقابلة بعمارة لَمَى، أن الخواجه بوسطه قد ورث عن والده هذا البيت ومحل أنتيكات قريب. كانت تردد كلما جاءت سيرته "كان خواجه طيب وبتاع ربنا". لا يترك الخواجه الابن فرصة دون أن يأتى إلى القاهرة، ويشعر بارتباط شديد بعصافيره، التى تعرف بقدومه، فتنتشر على إفريز شرفته، كمتسول يعرف جيدًا زبونه الخيِّر.