طه أمين يكتب: رأس المملوك جابر.. المثقف والسلطة

الخميس، 16 أغسطس 2012 06:11 م
طه أمين يكتب: رأس المملوك جابر.. المثقف والسلطة الكاتب السورى الراحل سعد الله ونوس

مغامرة رأس المملوك جابر.. هى واحدة من روائع الكاتب السورى الراحل سعد الله ونوس (١٩٤١-١٩٩٧).. جاءت بعد نكسة ٦٧ ليضع فيها ونوس رؤيته لدور المثقف المسيس وما يمكن أن يكون عليه فى الواقع، فى مقابل ما يجب أن يكون عليه نظريًّا.. تبدأ المسرحية بأناس على مقهى ينتظرون الحكواتى ويقررون فيما بينهم أن يطلبوا منه أن يحكى لهم قصة البطل المخلص الظاهر بيبرس.. ولكن الحكواتى حين يصل المقهى يعلن أن أوان الظاهر بيبرس لم يأتِ بعد، وأنهم مازالوا فى أوان حكاية المماليك، وبالتحديد المملوك جابر.. ليفتح الستار عن حكاية جابر وصديقه منصور وصديقهما الثالث، والذين يتناقشون حول صراع السلطان والوزير.. ورغبة الوزير فى الاستعانة بمدد أعجمى ليتمكن من العرش، ولكن السلطان يحاصر المدينة ليفتش جنوده كل من يخرج منها، حتى لا تخرج رسالة الوزير للعجم.. وهنا يعرض منصور خدماته على الوزير بأن يحلق شعر جابر ويكتب على رأسه رسالة لملك العجم، ثم حين يطول شعر جابر يخرج من المدينة والرسالة مكتوبة على رأسه.. وبالفعل تصل الرسالة لملك العجم الذى يستعد لغزو البلاد نصرة للوزير الخائن.. ويقرر حبس جابر، ذلك أن الوزير قد أضاف فى رسالته طلبًا إلى ملك العجم بقتل جابر حتى تموت معه قصة الخيانة ودليلها.. وهكذا يدفع المملوك جابر ثمن اقترابه المفرط من السلطة وخدمته لها.. فالسلطة فى نفوس أهلها أغلى من أى رأس، بالذات لو كان رأس مملوك خائن.

يفتح ونوس فى هذه المسرحية بابًا لجدل لطالما عالجه المثقفون فى القرن العشرين.. ويبدو أنهم لم يصلوا فيه إلى نتيجة حتى الآن.. فالمثقف المسيس برأى ونوس ينقسم إلى ثلاثة أقسام.. مثقف مسيس كثير الثرثرة فيما لا يغنى ولا يسمن من جوع، حتى يظنه الناس مواليًا للسلطة، ووظيفته إلهاء الناس وإسقاطهم فى بحار من الجدل العقيم دون نتيجة أو - بالأكثر- تخويف الناس من السلطة أو حتى الحديث عنها.. أما النوع الثانى فهو المثقف الحقيقى ولكن بسلبية تجعله يكتفى برصد الصورة القاتمة للواقع دون أن يتحرك على أرض الواقع كفرًا بواقع مبنى على النمط القمعى للسلطة، وكفرًا بالشعب الذى - فى وجهة نظره - لم ولن يفهم أبدًا ضرورة الحركة للتغيير والمشاركة فيه من خلال رؤية فكرية لما عليه الواقع وما يجب أن يصير إليه، وهنا يسقط الشعب فى حبائل الصنف الأول من المثقفين، ذلك الذى يغرقه فى بحر من الكلام والسفسطة الفارغة والمزايدة على الآخرين من أجل البقاء تحت الأضواء أطول فترة ممكنة.. وفى سبيل ذلك يفتعل أزمات ذات طابع يبدو – ظاهريًّا - فكريًّا من أجل إشغال الناس.. وربما يتمادى فى ذلك مفتعلاً مشاجرات يستخدم فيها كل أدواته من الابتذال والانحطاط والسباب لكل من يختلف معهم فى الرأى كى تزداد سخونة المعركة.. أما الصنف الثالث فهو بطل المسرحية "المملوك جابر" المثقف السطحى الذى يبحث عن فرصة للمكسب فى كل واقعة سياسية وهو دائمًا على استعداد لبيع رأسه لمن يريد.. يكتب فيه ما يشاء ويوصل من خلاله ما يشاء من رسائل.. وهو صنف غير مهتم بالجماهير، وما يهمه هو علاقته بالسلطة، وغالبًا ما ينتهى الأمر بقتله فعليًّا أو معنويًّا بتشويه صورته وتدمير سمعته لو فقد قرون استشعاره التى تمكنه من التقاط إشارات أصحاب السلطة ورسائلهم التى يريدون توصيلها.

بالنظر إلى ما وضعه ونوس من تصنيف لنوعيات المثقفين فى زمن المماليك نجد أن رؤيته تؤكد استعذاب المملوك لعبوديته.. ففى المسرحية يكون المملوك جابر سعيدًا بعبوديته لأنها تقربه من الوزير فيتمكن من تقديم خدماته بمقابل.. بينما المملوك منصور يستعذب فكرة كونه المثقف الحقيقى ولكن دون أى رغبة فى التحرك على الأرض، فتحمل عبوديته قدرًا هائلاً من الاستكانة وفى الوقت نفسه التعالى على الجماهير غير الواعية... وينسى كلا المثقفين دوره الذى يتوجب عليه، وهو قيادة الطليعة النخبوية نحو الاستنارة ورسم الطريق للجماهير لتسير عليه نحو التغيير، ينسى واجبه فى أن يصنع نسقًا فكريًّا غير معقد ولا متكلفًا ولا سوفسطائيًّا ليقود الجماهير نحو الفكرة التى تصنع الرؤية التى ينتج عنها تغيير مدروس ومحسوب، له بداية ونهاية وأهداف محددة، حتى لا تسقط حركة الجماهير فى الفوضى وتسقط معها الأوطان فى هاوية اللاعودة، والبدايات الكارثية الخطأ لما بعد الفوضى.. ويسقط حلم ونوس فى اتحاد المثقفين لخلق رؤية موحدة لصالح الوطن.. إن رصد ونوس لدور المثقف يدفعنا للتفكير فى الأحوال فى عصر المماليك وعن سقوط النخبة المثقفة فى فخاخ عبودية الانتهازية والشهرة والذات والمغانم.. بينما الشعوب الغافلة - فى عصر المماليك - تفقد الثقة فى المثقفين وتجلس حول الحكائين انتظارًا لملحمة عودة المنقذ "الظاهر بيبرس".. رحم الله سعد الله ونوس.. فقد كتب ما كتب، أو – ربما - هذا ما قرأته أنا فى أدب ونوس الذى يبدو وكأنه عاش كل عصور المماليك فى كل زمان ومكان.. فأن تكون مملوكًا ليس مرحلة تاريخية، ولكنها حالة يمكن أن تعيشها أو تراها فى كل العصور.


أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة