يحدث فى مصر الآن صراع متعدد الأبعاد والتصنيفات فهناك تصنيف بين قوى الثورة وقوى أعداء الثورة من فلول وبقايا النظام السابق، وهذا التصنيف الواضح فى الأيام والأسابيع الأولى للثورة لم يعد قائما، وظهر تصنيف آخر بين العسكر وقوى الثورة أى بين من يدعمون دورا كبيرا للجيش فى المرحلة الانتقالية، ومن يريدون إنهاء حكم العسكر ثم ظهر تصنيف آخر بين من يريدون الدولة الدينية من الإخوان والسلفيين، وباقى تيارات الإسلام السياسى وأنصارهم وبين من يريدون الدولة المدنية الحديثة، وتتعدد التصنيفات وتتغير التحالفات وتنتقل القوى من تصنيف إلى آخر حسب موقف تلك القوى من هذا التصنيف أو ذاك.
وتبدو قوى الثورة بعد مرور أكثر من خمسة عشر شهرا من خلع مبارك فى مشهد مأساوى لثورة بلغت ذروة المجد فى انطلاقتها ومضت فى طرق، ومسالك أبعد ما تكون عن روح الثورة وأهدافها فشباب الثورة كتعبير شاع فى الأيام الأولى ضاع وسط الزحام والضباب وقوى الإسلام السياسى المعادية أصلا للثورة روحا وفعلا وتاريخا تقدمت إلى صدارة المشهد تريد الاستيلاء والسيطرة على كل المقاعد وكل المؤسسات، وتريد أن تنشئ دولتها وتحقق حلمها المبنى على أن هذه الدولة القائمة الحديثة منذ محمد على باشا كانت كافرة من الأساس عند بعض الإسلاميين، وكانت مخاصمة للدين عند البعض الآخر، ولكن الجمع الإسلامى المصرى يتفق على أن هذه الدولة المدنية الحديثة التى أسسها محمد على ورسخ أمرها من بعده جمال عبد الناصر ليست هى دولتهم.
وفى كل الأحوال يدور الصراع بين الفرقاء على استكمال الثورة كل بطريقته ووفق منهجه، ولكن المعنى الحقيقى للثورة مازال لم يتشكل بعد ولم يتحقق ولم يصل إلى غالبية أبناء الشعب.
فاستكمال الثورة لدى الإسلاميين يعنى بناء دولة جديدة وعند الإخوان منهم بالتحديد هو تتويج لجهاد بدأ مع حسن البنا فى 1928 فى مسار مواز لمسار الوطنية المصرية الجامعة يتصارع المساران، ولكن أبدا لا يلتقيان وقد آن الأوان لمصر أن تشق طريقا جديدا مستلهمة رسالة السماء ومطبقة لشريعتها.
وعند القوى الليبرالية من أحزاب الوفد والغد والمصريين الأحرار وغيرهم تستكمل الثورة عندما تعود مصر إلى استعادة ليبراليتها المقطوعة بفعل ثورة يوليو 1952، على أساس أن فترة ما بين الحربين العالميتين كانت عيش وحرية وعدالة اجتماعية وكرامة إنسانية، وقد آن الأوان لمصر أن تعود إلى الحرية من جديد.
وعند القوى القومية وفى القلب منها الناصريين فإن استكمال الثورة يعنى إحياء ثورة يوليو، ووصل ما انقطع بفعل السادات وقطع ما اتصل مع مبارك، وأن عنفوان يوليو قادر على العودة فى الثورة وفى الدولة، وقد آن الأوان لمصر أن تعود إلى طريق جمال عبد الناصر نحو الحرية والاشتراكية والوحدة وضرورة أن تعالج ثورة يناير مثالب وعيوب ثورة يوليو.
ولكن الثورة مشتتة وقوى الثورة مفتتة وأكبر قوى منظمة هى اكبر قوى معادية لفكرة الثورة من الأساس.
أما الدولة فتحاول أن تقف على قدميها وتستوعب متغيرات يناير الكبرى، وتحاول أن تبنى خريطة جديدة للقوى وعلاقات جديدة للمؤسسات لن تكون بالتأكيد، كما كانت منذ 1952 ولكنها لا تريد بالتأكيد أيضا أن تنقلب وتصبح دولة إخوانية أو سلفية يحكمنا فيها الملالى ومكتب الإرشاد.
تحاول الثورة أن تكون مستمرة بحركاتها الشبابية الاحتجاجية وجماعاتها الدينية وشارعها الذى لا يهدأ ولا ينام.
وبشعب خرج لأول مرة إلى ملعب السياسة لا ليعلب فيه وإنما ليؤسسه ويضع قوانينه، وتحاول الدولة أن تكون مستمرة فهى الـقدم بين أمم الدنيا ومصر هى التى اخترعت مفهوما ومعنى الدولة والجيش المصرى العظيم الذى تلقى ضربة موجعة فى عاصفة الحرب فى 1967 واستطاع أن يتجاوزها إلى النصر تلقى ضربة أخرى قاصمة فى عاصفة السلام فى 1977 ولم يستطع أن يفيق منها حتى الآن ويجد نفسه الحارس على الدولة والمسئول الأول عن بقائها، ولكنه غير جيش 1952 و لا جيش 1967 ويخوض حربا من أجل الدولة وقدم ثابتة وراسخة عند يوليو 52 وأكتوبر 73 وقدم أخرى مغروزة ومهزوزة عند نوفمبر 77 وجسده مصاب من فساد ثلاثين عاما مع مبارك.
تعانى قوى الثورة كبيرها وصغيرها أمراضا وعقدا تعصى على الحل تسد الطريق نحو النصر، وتعانى قوى الدولة الحية والمخلصة من ضربات كاسحة قاصمة تعرضت لها على مدى أربع عقود أثرت على دورها وسموها وعلاقتها بالناس ثوارا ومواطنين.
لن تستطيع أى من تلك القوى (الثورة والدولة) أن تكسر الأخرى ولا يجب أن يكون، ولكن تستطيع تلك القوى أن تقضى على عيوب وانفلات القوى الأخرى وتحدد وتهذب مطالبها وتوجهاتها.
إن الأمل مرهون بالتقاء قوى الثورة مع قوى الدولة عند مناطق الأهداف العليا للوطن فى العيش والحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية.
أحمد إبراهيم صالح يكتب: ثورة مستمرة.. والدولة مستمرة
الجمعة، 20 يوليو 2012 08:40 ص
مظاهرات 25 يناير