تمخض عن سقوط النظام السياسى البائد على أيدى ثوار الربيع المصرى ميلاد حركياً سياسياً واجتماعياً متغيراً ومتدفقاً يحمل بين طياته ظلالاً ملونة بكافة ألوان الطيف السياسى والثقافى، سواء على مستوى الطرح المضمونى أو الغاية المرجوة، وذلك بعد حالة من الثبات والجمود المدنى والسياسى، والتى استمرت عقوداً طويلة.
ولكن رغم هذا الحراك الجلى وبغض النظر عن ماله وما عليه، فإن ظاهرة واضحة أطلت برأسها فى قلب هذا الواقع الجديد، وهى حدوث فراغ فى حاضر وواقع التعبير عن السلطة فى الفضاء المعرفى والاتصالى شديد المركزية، والذى كان يدور دوماً وأبداً فى فلك التجميل، أو التعبير عن السلطة المشخصنة، أو السلطة الأسرية أو الدائرة السياسية الضيقة على أفضل تقدير، الفراغ الناتج أساساً من فراغ فعلى وميدانى وتأثيرى للقيادة أو الإدارة الحاكمة.
وهنا تبدو فى الأفق الخيوط الأولية للحالة التى نود تسليط الضوء عليها ونعنى حالة "النخبة" المثقفة "المسيسة"، وعلاقاتها مع السلطة، تلك النخبة التى كان موكلا لمعظمها وفقاً لقانون العلاقة المشار إليها (سواء بالأمر المباشر أو غير المباشر) تسويق السلطة أو النظام القائم، وقتئذ لدى الجمهور مقابل الحصول على جملة من المميزات العينية والفوائد المركبة قصيرة وطويلة الأجل. على أن يتم هذا التسويق (مهنياً) من خلال آليات فنية محكمة تتأرجح بين التأييد الصريح، أو المعارضة الهزلية، أو حتى الصمت المعبر بطعم التأييد، وذلك كله وفقاً لشخصية المسوق، فضلاً عن طبيعة اللحظة ومقتضيات الظرف.
قد يكون توصيف هذه الحالة صادما للبعض، خاصة من يدركون معايير تكوين "النخبة" من رؤية ودراسة ووعى وعلم وموهبة واجتهاد وضمير وإيمان بالمصلحة العليا للوطن.
ولكن وإن كانت هذه المعايير والمكونات هى التى تشكل بالفعل _ فى الظروف الطبيعية ـ وفى ظل الأنظمة الشرعية الصحيحة _ طبقة الصفوة إن جاز التعبير، فإن معايير أخرى يمكن إجمال هويتها فى تعبير "النقيض الصريح" للمعايير سالفة الذكر، تصبح هى تحديداً الحاكمة والمؤثرة فى تشكيل مثل هذه الطبقة، وذلك فى ظل سيطرة الأنظمة المغتصبة والفاسدة على مقاليد الحكم والإدارة. حتى من يستطيع من أصحاب الموهبة والعلم والضمير اختراق هذه المعايير والوصول إلى مقاعد النخبة يتم لاحقاً إفساده ترغيباً أو ترهيباً، وفى حالة الإخفاق يتم استبعاده من المنظومة العامة، وبشكل نهائى، كإجراء وقائى للمحافظة على دوام فساد المنظومة.
وبالتالى فالعلاقة بين تلك النخبة "الجديدة القديمة" والنظام البائد الفاشل، وصوره التى مازالت قائمة "تصارع من أجل البقاء"، فضلاً عن أنها علاقة مصالح متبادلة كانت ومازالت، فهى علاقة هوية أو مصير. بمعنى أن هذه النخبة لا تصلح أن تكون "نخبة" إلا فى ظل المعايير التى أرساها النظام القديم كمواصفات للنخبة كطبقة أو جماعة وظيفية.
ومن ثم فإن تغيير النظام واستبداله بنظام جديد يتمتع بالشرعية ولديه برنامج عمل حقيقى (وليس دعائى)، ويخلو من الفساد يعنى لاحقاً إرساء قيم العلم والموهبة والكفاءة المهنية كمعايير لتحديد ملامح أو مصوغات أو مواصفات تشكيل طبقة النحبة.
وعليه فحتى لو نحينا جانباً قضية الفساد أو المعايير الأخلاقية، فإن هذه النخبة لا تستطيع الاستمرار عملياً (كنخبة) فى ظل المعايير الجديدة لإفتقادها مهنياً وفنياً لمثل هذه المعايير.
من هنا فإن حقيقة موقف معظم النخبة من الإدارة الرئيسية المصرية المنتخبة ليس موقف دفاع عن هوية الدولة، كما يزعمون، أو التصدى لسيطرة فريق سياسى على كافة مقاعد العمل العام، وإنما هو موقف دفاع عن وجود مهنى أو (دور وظيفى)، وما يترتب على هذا الوجود من مكتسبات ومصالح فائقة التميز.
إن نجاح التجربة المصرية الحالية، لا يتوقف فقط على بناء نظام سياسى وإدارى ناجح، ولكن أيضاً على بناء نخبة حقيقية تصلح أن تكون طليعة ودليلاً جماهيرياً نحو مجتمع جديد، وهذا لن يتسنى إلا بالقضاء على النخبة الحالية، لا لأنها جماعة معارضة رغم هشاشة موقفها، ولكن لأنها لا تصلح مهنياً ومهارياً للمرحلة الجديدة لافتقادها للكفاءة والعلم والموهبة.
صورة ارشيفية