بعد ثلاثينية الظلم والقهر والاستبداد والجهل والتخلف ونهب وتجريف البلاد، ونقل ملكيتها إلى ابن المخلوع وحاشيته، وبعد يأس وقنوط وصل إلى درجة انتحار الكثير من الشباب ليتخلصوا من حياتهم، بعد فقدهم لأمل يمكن أن يعيشوا عليه، ولو لسنوات قليلة لينالوا فيها حقوقاً هى الأبسط للكائن الحى، وعندما يقهر الظالم المظلوم، ويضع ظهره للحائط، لا مجيب ولا مغيث ولا معين، يتدخل القدر، وتتنزل العناية الإلهية لتؤكد أن هناك العادل القهار الذى لا يعلوه شىء فى الأرض ولا فى السماء فى صورة أسباب هى سنة الخالق فى كونه.
فكانت ثورة يناير المجيدة التى أعظم ثورات مصر على الإطلاق على مدار تاريخها الحديث والقديم، والمتأمل لكل الثورات سيؤكد ذلك ولا جدال.
ومنذ اندلاع شرارة ثورة يناير والثورة مرّت ومازالت تمرُّ بمنعطفات خطيرة جميعها صناعية، ولم يكن أحداً منها طبيعياً على الإطلاق، فلقد اجتمعت علينا أطراف كثيرة فى أشكال متعددة بمصالحها المختلفة، وتوجهاتها المتنوعة للانقضاض على الثورة، وهو ما أطلق عليها الثورة المضادة أو اللهو الخفى.
تفننت كل قوى الشر الممثلة فى تلك الثورة المضادة فى استجماع كل قواها، مسنودة بأموالنا المنهوبة، وكتائب النظام البائد الرافض للاستسلام، بعدما كانت مصر تحت قدميه، وبين يديه، مستغلين كل أجهزة الدولة التى مازالت تقدم ولاءها ليل نهار لذلك النظام.
فكان إحداث الانقسامات المتعمدة بصفوف الميدان وأحداث محمد محمود ومجلس الوزراء وماسبيرو، ومسلسل الحرق المستمر لبعض الكنائس لتغذية الفتن الطائفية، ثم فض الاعتصامات بالقوة أضف إلى ذلك الأمن المصطنع ضياعه وفقدانه، ثم المحاكمات الهزلية لقتلة الثوار، وحلّ مجلس الشعب والإعلان الدستورى الأول، ثم المكمل، وألاعيب شيحة فى الانتخابات للإتيان بممثل الثورة المضادة والنظام البائد، والذى كانت تسانده كيانات كثيرة كبيرة أقوى من طاقة شعب خرج بصدره لينال حريته.
المتأمل فى المشهد يجد أن كل منعطف دُبر للثورة والثوار والذى كان كفيلاً بأن يقضى على دولة بأكملها، ليتكفل المولى وحده بإنقاذ الثورة ورعايتها، وكلما مرّت علينا أحداث أتذكر مقولة جد الرسول صلى الله عليه وسلم، حين دخل أبرهة الحبشى الذى لا طاقة لأهل قريش به لهدم الكعبة فقال: للكعبة ربُ يحميها، ظللت أقول: للثورة ربُ يحميها، وأن الخالق العظيم قد أراد بهذه الثورة الخير لمصر، وسيكون مهما كانت التحديات.
إحدى مليونيات التحرير