لا يغادرنى التفاؤل وأنا أقول إن نجاح الدكتور محمد مرسى، أو منافسه الفريق شفيق فى سباق الرئاسة، لن يحمل الخير السريع المرتقب لمصر منذ بدء ثورتها العظيمة.
إنه فقط بداية الفصل الثانى من المسرحية السياسية الإجبارية التى فرضها وقررها نظام حكم مبارك على الشعب المصرى بعد الثورة.
أؤكد ذلك لنفسى قبل أن أؤكده لكم؛ لأن الإفراط فى التفاؤل، والتعلق بأهداب أمل الانتقال السريع إلى ديمقراطية مدنية حديثة، سوف يفرز إحباطاً، يؤدى إما لحالة استسلام عند البعض، أو لألوان من الانفجارعند البعض الآخر.
فنحن نحصد الآن كل ما زرعه نظام حكم مستبد، خلال عقود من شبكات ألغام سياسية ومجتمعية كامنة فى نسيج الشعب المصرى، يمكنه استغلالها دائماً؛ لإحكام السيطرة على مجريات الأمور.
والإشكالية الكبرى أن صانعى تلك الشبكات الملغمة والمتغلغلة فى أعصاب أجهزة النظام المستبد، هم الوحيدون الذين يملكون خرائطها التفصيلية، ولن يقبلوا مساومة عليها، لأنها فى اعتقادهم ضمانة أساسية لحمايتهم.
لم يقم نظام مبارك ومجلسه العسكرى حتى يومنا هذا، إلا بإدارة فاشلة للصراع المجتمعى والسياسى، إما بالأمن القمعى، أو بتنمية انتقائية، يلعب فيها الفساد المالى والسياسى الدور الأكبر، ولم يسع يوماً لتنمية شاملة حقيقية عامة ترضى تطلعات الشعب المصرى.
فحرم بذلك المصريين من فرص صناعة وبناء السلام المجتمعى بالديمقراطية، وتنمية المجتمع المدنى، ومراعاة حقوق الإنسان، والتوعية بأهمية الحوار المجتمعى الموضوعى، كى تظل مقاليد إدارة الصراع فى يده.
ولم يتورع يوماً عن زرع ألغام فى المكونات الأساسية للهوية المصرية، مستغلاَ التعصب الدينى والجهل المجتمعى والاستقطاب الإعلامى، غير عابئ بقيمة الإنسان فى المجتمع، أو بتفعيل نموذج قيمى، بل ومازالوا يعايرون الشعب بأنه أصل كل البلاء والاضطراب.
فليس من العدل أن يطلب من الشعب المصرى احترام نظام حكم، لم يحترمه يوماً، بل أمعن فى إذلاله، وحجبه عن سبل التقدم.
هل نتفكر فى عصام شرف والجنزورى كرؤساء وزراء بعد الثورة بدون صلاحيات فعالة، وهم على قمة الجهاز التنفيذى، والذى لم يسمح المجلس العسكرى بتطهيره؟
هل تغير شىء؟
انظروا إلى السياسيين بعد الثورة، وهم يكافحون دون صلاحيات فاعلة.
دققوا النظر فى وجوه الإعلاميين وضيوفهم الدائمين.
تابعوا الشرود الذهنى وملامح الوجوه فى الشوارع، بعد أعوام من الحروب النفسية ونكباتها.
استمعوا لهتاف الصامتين المغلوبين على أمرهم.
تابعوا العالم من حولكم؛ كى تعرفوا حقيقة وضعنا فيه دون إفراط أو تفريط.
لقد انتكست الثورة التى بدأناها من أجل العدالة الاجتماعية، فانتقلنا من رفاهية وأحلام الاختيار بين نظام حكم برلمانى، ونظام حكم رئاسى، إلى نظام حكم شمولى عسكرى، يأتى برئيس محدود الصلاحيات بعد حل البرلمان.
إنه انقلاب عسكرى أيتها السيدات والسادة، ولم يأت انقلاب على شرعية ثورية بخير.
السيناريو أكبر من شفيق ومرسى، ومن فاز منهم. وهذه ليست مباراة نهائية فى كأس لكرة القدم، فنحن لم نغادر الدور التمهيدى منذ بدء الثورة.
ولم تتمكن الفرق السياسية من الصعود، لأنها لا تركز فى تحقيق النصر معتمدة فقط على ما تبذله من مجهود للنصر فى أية مباراة، بقدر تركيزها فى توجيه الآخر للخسارة، أملاً فى الصعود على أنقاض هزيمته.
وبالرغم من كل ما سبق، فالثقة تملأنى، بأن اللحظة التى انتظرها قادمة لا محالة.
إنها اللحظة التى سوف يؤدى فيه القائد الأعلى للقوات المسلحة المصرية التحية لرئيس مدنى منتخب بكامل صلاحياته الدستورية، فى وجود برلمان شرعى منتخب، ودستور مصرى يتلافى أمراض ما سبقه.
وفى تلك اللحظة فقط سوف يبدأ عصر الدولة المدنية المصرية الحديثة.
وسوف تأتى.. ولو بعد حين.
وسنستمر فى المراقبة والمشاركة والتعلم، ما دام فى العمر بقية.
فإنها حقاً.. ثورة تليق بالمصريين.
مرسى وشفيق