د.على ثابت يكتب: شفيق ومرسى بين رفاهية الشمال وفقر الجنوب

الجمعة، 22 يونيو 2012 07:51 ص
د.على ثابت يكتب: شفيق ومرسى بين رفاهية الشمال وفقر الجنوب أحمد شفيق ومحمد مرسى

رجل كفيف البصر تجاوز السبعين من عمره، عمر ملابسه لا تقل كثيراً عن عمره، تقوده من يده فتاة صغيرة حافية القدمين، تكاد ملابسها تخبرك عن فقرها المدقع وتحت حرارة الشمس التى تلهب شعرها البرئ، وقفا معاً فى انتظار دوره للدخول للتصويت فى الانتخابات الرئاسية، اقتربت منه كى أستأذن له الطابور الطويل أمام اللجنة كى يسمحوا له بالدخول لظروفه المرضية ولم أستطع أن أكتم شفقتى عليه فقلت له: تاعب نفسك ليه وليك عذرك؟.

وكان رده على بتلقائية كالصاعقة: جاى أنصر المسلمين !! ولم تكن وجوه الواقفين حولى تسمح لى بأى كلمة أو نقاش فأى استفسار آخر قد يحولنى إلى متهم بخرق الصمت الانتخابى، ولكننى ذهبت إلى السيارات التى كانت تنقل الناخبات خارج اللجان، أحاول أن أفهم ما يجرى، وفوجئت بأن الرسالة واحدة هى أن هناك من أوهمهم بأن المسيحيين يصوتون لشفيق لأنه سيحذف القرآن من كتب الدراسة وعليهم أن ينصروا الإسلام ويصوتوا لمحمد مرسى!.
وساعتها تذكرت الإصرار على تكرار عبارة النصارى بيصوتوا لشفيق دون ذكر اسمه الأول أحمد، ونظراً لأن الأمية والجهل لدينا لهم مكانة عظيمة ولهما معنا فى الصعيد عشرة عمر طويلة فقد صدق عدد هائل من بلدياتى الطيبين ذلك، ولتسهيل الأمر عليهم وتأكيده تم توزيع منشور به عدة سطور عن الفريق شفيق كى يقرأ لمن لا يقرأ يقول فيه إنه سوف يحذف القرآن من كتب الدراسة وأنه صديق اليهود وحسنى مبارك هو مثله الأعلى ! .

ومن التصويت الطائفى إلى العقاب الحزبى، حيث قرية أخرى فيها أحد نواب البرلمان عن الحزب الوطنى المنحل، قال لعائلته إن ابن الفريق شفيق نسيبه وعليهم دعم نسيبهم فى الانتخابات كى يعود للبرلمان، وصدقت عائلة النائب الخبر، وانتشرت الإشاعة فى آذان وعقول الناخبين ورغم أن الفريق شفيق لم ينجب سوى بنات، فقد صدق الناس ذلك وخرجت باقى عائلات القرية عن بكرة أبيها تصوت لمرسى خشية أن ينجح شفيق ويعود للبرلمان النائب الذى كتم على أنفاسهم سنوات طويلة! ومثل هؤلاء النواب المكروهين كان لهم تأثير رهيب فى تصويت الناس ضد شفيق لصالح مرسى فى معظم قرى ومدن الصعيد.

ومن كتم الأنفاس فى وسط الصعيد إلى كتم الغيظ فى جنوب الصعيد وتفريغه فى الصناديق، حيث الصراع المحتدم منذ شهور بين بعض عائلات الأشراف وبعض القبائل فى قنا، وكان لإعلان الأشراف انتماء الفريق شفيق إلى العائلة الأثر الكبير فى تصويت خصومهم لمرسى كى لا يصير الرئيس من عائلة الأشراف، وقد علمت من مصدر مقرب لحملته أنه رفض بشدة استخدام نسبه الشريف فى الدعاية الانتخابية له.

أضف إلى ذلك خشية عدد كبير من الناخبين فى قنا من عودة بعض نواب الحزب الوطنى المنحل إلى البرلمان والمشهد السياسى مرة أخرى لو نجح شفيق.

ولكن المشترك فى الصعيد بصفة عامة هو تصويت الأقباط لشفيق رغم علمهم بنسبه لسيدنا محمد، ورغم أننى كنت ضد وصول مرسى وشفيق للإعادة، لكننى رأيت فى تصويت الأقباط للفريق شفيق رسالة سلام قوية إلى جموع المسلمين مفادها أنهم ليسوا ضد الإسلام والمسلمين بدليل تصويتهم لحفيد نبى الإسلام حتى وإن كان تصويتهم فى الأساس ضد المرشح الآخر، فلو كانوا ضد اختيار مسلم لقاطعوا الانتخابات برمتها لعدم وجود مرشح مسيحى. والمشترك أيضاً فى الصعيد والذى أثر بقوة فى التصويت هو النشاط القوى للإخوان وإن كانت نتائج الجولة الأولى قد كشفت عن القوة الحقيقية والعدد التقربيى لأعضاء الجماعة ومناصريهم وقدرتهم على الحشد بكل الوسائل التى شاهدها البعض أو أكل منها البعض الآخر!.

ومن صعيد مصر إلى شمالها نجد محافظات الدلتا حيث حصد الفريق شفيق المركز الأول فيها، وأعتقد أن ذلك يعود إلى ارتفاع المستوى الثقافى فيها مما يصعب ترويج ما تم ترويجه فى الصعيد، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى لوجود عدد كبير من أهالى الضباط وضباط الصف المتقاعدين فى هذه المحافظات وبخاصة فى محافظة المنوفية، وهم بالطبع يرون فى الفريق شفيق المرشح الأمثل بالنسبة لهم، أضف إلى ذلك أن معظم المشاريع التجارية والاقتصادية بصفة عامة متركزة فى محافظات الوجه البحرى والقاهرة، وأصحاب هذه المشروعات والعاملين فيها يرون فى الفريق شفيق استمرارا لأعمالهم ولقمة عيشهم.

ولقمة العيش هذه لم نعد نسمع أحدا يتكلم عنها بعد أن انتهت الانتخابات فالكل فى انتظار إعلان النتيجة الرسمية، وهذا الانتظار كشف عن مشاهد مصرية خالصة لن تشاهدها فى دولة أخرى غير مصر، فقد خرج الدكتور مرسى ليحتفل بفوزه مع حملته قبل انتهاء الفرز ! وهو تصرف جعلنى شخصياً أشعر بقلق شديد على أسلوب إدارة البلاد فى حالة فوزه، وردت حملة الفريق شفيق هى الأخرى بأعلان فوزه مما يعكس حالة من الفوضى والتعدى على دور اللجنة الرئاسية من كلتى الحملتين، ولكن أكثر ما أحزننى هو إعلان بعض القضاة فيما عرف بقضاة من أجل مصر للنتائج قبل اللجنة أيضاً، وهو تصرف عجيب فالقضاة يرفضون التعليق على أحكامهم فكيف لقاض أن يعلن حكما فى موضوع قضية منظورة أمام دائرة أخرى أعلى ولديها من المعلومات ما هو ليس لدى غيرهم!.

ولكن يبدو أن فوضى الاعتراض على أحكام القضاء فى مصر ستكون الطامة الكبرى خلال الأيام القادمة فبعد اعتراض معظم نواب البرلمان على حكم الدستورية ببطلان انتخابه، وبعد أن خرج مرشح رئاسة ليحتفل بفوزه قبل الإعلان الرسمى للنتيجة، وسبقهم اعتراض عدد كبير من عامة الشعب على أحكام محاكمة القرن، أعتقد أننا مقبلون على عصر المصرى المعترض بعد أن عشنا عصر المصرى المغلوب على أمره.


أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة