مصطفى كمشيش يكتب: خسرت مصر فارسًا نبيلاً.. وماذا بعد؟

الجمعة، 01 يونيو 2012 01:39 ص
مصطفى كمشيش يكتب: خسرت مصر فارسًا نبيلاً.. وماذا بعد؟ المستشار طارق البشرى

لم تقدم الدراسات الغربية حلاًّ لما أدركوه عبر تراكم تجارب وخبرات ونتائج كثيرة خلال عقود من الممارسات الديمقراطية حين وجدوا أن آليات الديمقراطية قد لا تقدم أفضل العناصر لمجتمعها، فكم من الأخيار الأكفاء يحجمون عن خوض التنافسات السياسية لما قد يتعرضون له من أذى من منافسيهم، ولعل ذلك من أهم أسباب رفض المستشار طارق البشرى الترشح لمنصب الرئاسة، كما أن الوصول إلى مقاعد البرلمان أو قصر الرئاسة يتطلب عتادًا من المال والرجال وغير ذلك، ومن لديه عتاد أكثر من غيره فإن فرصه فى الحصول على المنصب أكبر..
وفى مصر، لم يستطع الفارس النبيل أبو الفتوح أن يدخل جولة الإعادة، بعد أن بذلت حملته جهدًا كريمًا كبيرًا، فلم يكن ينتمى إلى حزب أو جماعة، وهى الأدوات التى تساهم فى الوصول إلى المناصب، لكن فائدتها تتضاءل بعد ذلك، وبدا أن أغلب من أيدوه قد فعلوا ذلك فى اللحظات الأخيرة، وبدا أن بعضهم قد أيده بلسانه فقط (معنويًّا وليس حركيًّا)، ومن ثم فإن ما حققته حملة النبيل يعتبر إنجازًا بكل المقاييس، أسأل الله أن يتقبل جهود كل من سانده فى حملته.

وقد تلقى أبوالفتوح طعنات من كل المنافسين، ولا أعلم لماذا تركزت حملات التشويه عليه أكثر من غيره، فهو عند الإخوان مارق، وعند غيرهم إخوانى يخفى هويته، وبدت أكثر الضربات إيلامًا من رفاق دربه من رموز (جيل السبعينيات) حين تركوه وحيدًا فى معركته.
وتلقى هو ومؤيدوه سيلاً من السباب واللعنات وصل إلى الاتهام بالكفر فى بعض الأحيان، فعلى سبيل المثال أرسلت رسالة بالخطأ إلى واحد من قيادات العمل الإسلامى بمدينة نصر ذكرت فيها اسم أبو الفتوح، فرد على رسالتى قائلاً: إن (أبونا) تدعمه الكنيسة!!

وهو يعلم أن الكنيسة تدعم "شفيق"، ولا يمكن أن تدعم "أبو الفتوح" لمرجعيته الإسلامية، لكنه أخرجه من الإسلام ليجعله قسيسًا (الرسالة موجودة باسم صاحبها على هاتفى المحمول).. وقد وقفت ابنتى أمام إحدى اللجان، فسمعت أختًا من التيار الإسلامى (وآسفاه) تقول لأخرى: لا تدعموا أبو الفتوح فإنه سيُغلق المساجد، وأخرى تقول: إنه سيعمل على خلع النساء الحجاب!!
أعلم أنها تصرفات فردية، لكنها كشفت عن تدنٍّ كبير فى التربية والأخلاق، وحينما قرأت بأم عينى ممن يفتقدون الأخلاق والتربية سبابًا وشتمًا ودفعًا للاستقالة من جماعة الإخوان لأننى أيدت "أبو الفتوح"، أدركت أن الخلل كبير، وأنه فى تصور بعض الإسلاميين أن الحق معهم ولا يمكن أن يكون مع غيرهم، كما أن الحق لا يمكن أن يمثله إلا من كان فى حزبه أو جماعته، وأن الخلط رهيب بين مفهومى (جماعة من المسلمين) و(جماعة المسلمين)، فيعرفون الفارق بينهما فى كتبهم وعلى ألسنتهم، ولا يعرفونه البتة فى معظم ممارساتهم!!

وإذا تجاوزنا عن الاعتبارات الأخلاقية، فإن الذين قاموا بالسباب والشتائم والكذب يفتقدون الحس السياسى، لأن السياسى الماهر هو الذى ينجح فى تقليل خصومه، فمن خاصمته اليوم قد تحتاجه غدًا، ولذلك تعجبت حينما اتصل بى نائب إخوانى بمجلس الشعب ليتحدث معى بشأن أبو الفتوح، وختم حديثه بقوله: لو كان أبو الفتوح هو المرشح الوحيد للرئاسة ما انتخبته!!

لقد خسرت مصر فى (مقعد الرئاسة) فارسًا نبيلاً، فمن سُجن فى سجون الظالمين من مرشحى الرئاسة مثلما سُجن أبو الفتوح؟ ومن صدع بالحق مثله؟ ومن سافر مثله إلى أفغانستان تحت خطر ضربات الطيران السوفيتى، حينما كان السفر إلى هناك يمثل مشروعًا للشهادة؟ ومن رضى به العرب أمينًا لاتحاد الأطباء مثله؟ لتتجاوز دوائر القبول به خارج وطنه، كما اتسعت دوائر القبول به خارج جماعته.

وحين انحاز للوسطية والاعتدال رأى آخرون أن انحيازه ذلك تفريطًا فى الثوابت، ودارت الأيام ففعل منتقدوه أكثر مما كانوا يستنكرونه منه.

إن "أبو الفتوح" لم يزاحم أحدًا، بل إن الآخرين هم الذين دخلوا المضمار بعده وزاحموه فيه، وكما أضاعوا على مصر فرصة الفوز بالنبيل، ربما تضيع عليهم أيضًا، بعدما ساهموا فى تفتيت الأصوات الوطنية، وكأن المثل المصرى الشهير (فيها .. أو أخفيها) يتحقق بامتياز.

أما الآن.. وقد خرج النبيل من السباق فحب مصر يقتضى النظر فى مرشحى الرئاسة، فأحدهما أحمد شفيق، لا يمكن أن نؤيده، ومع إقرارى بأن تقديم الإخوان مرشحًا لمنصب الرئاسة هو خطأ استراتيجى ضخم ستكشفه الأيام القادمة، وأنه إذا نجح د. مرسى فقد يتسلم (المنصب) لكنه لن يتسلم (الدولة) وتجربة مجلس الشعب خير دليل، فلم تستطع (مؤسسة الإخوان) أن تدير المجلس إلا بالاعتماد على (سامى مهران ورجاله)، ولم يستطع الكتاتنى السفر لحضور اجتماع البرلمانيين العرب إلا وهو معه، فاستخرج له تصريحا للسفر باعتباره ممنوعًا منه، وتجربة الجمعية التأسيسية للدستور شاهد آخر.

لكننى أقولها متجاهلاً كل ما نالنى من أذى، تأسيًا أولاً بخلق الحبيب فى عدم الانتصار للنفس، وتماشيًا مع مسلك النبيل الذى أيدناه، فيبقى الموقف الآن هو الانحياز إلى د. مرسى بالدعم والتأييد والحشد والمساندة.


أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة