ودَّعنا أبريل شهر الأكاذيب ولم تودعنا أزماته وآلامه الممتدة، مضى وبقيت آهات وأنات الشعب التى لا تتوقف، وأخص هنا عماله، وأدعوك عزيزى القارئ أن تعود بذاكرتك قليلا لتتذكر كم خبرا قرأته فى صحفك التى طالعتها خلال هذا الشهر عن المصانع والشركات التى احترقت فى مصر، أو فقط ضع كلمة "حريق" فى خانة "بحث" على موقعك الإخبارى المفضل، وحاول إحصاء هذا العدد منها التى أتت عليها النيران.
إنه عدد يحتاج إلى دراسة استقصائية لإحصائه، أهمه: شركة النصر للبترول بالسويس، شركة المصنوعات الجلدية بطنطا، مصنع توشيبا العربى بالمنوفية، مصنع الورق بشبرا الخيمة..
وأطلب منك عزيزى القارئ أن تخمن سببا واضحا لهذه الحرائق، ولصالح من ولماذا الشركات الكبرى المتكدسة بالعمال؟، قطعا ستثب إلى عقلك ريبة وربما يقين أن هذه الحرائق مفتعلة، وأن هناك مخططا جهنميا وأيادى خفية تعبث باقتصاد الوطن، لتستكمل ضرب البنية التحتية للبلاد- المضروبة أصلا- بعد أن سحب عدد من المستثمرين استثماراتهم، وتراكم الديون وتراجع السياح.. و.. و.. إلخ.
إن حرق المصنع يا سادة - فيما أعتقد- هو أسهل الطرق وأسرعها لتدمير اقتصاد بلد، فهو يعنى تشريد عمال وقطع أرزاقهم، ما يدخلنا فى إضرابات واعتصامات، وقف إنتاج، إفلاس، خسائر بشرية بالإضافة إلى خسائر مادية فادحة قد تصل لمليارات.. وغيره مما يسأل عنه خبراء الاقتصاد، بل إن حرق مصنع أعظم خطورة من وفاة جملة من المواطنين فى حادث ما، ليحصل ذووهم بعدها على قروش معدودة كتعويض- وهم صاغرون- لعلها فى مجموعها لا تضاهى أضرار حرق مصنع واحد.
ما يغيظ فى الأمر أن المصانع أو الشركات مزودة بأجهزة أمان حديثة، وما يغيظ أن نتائج التحقيقات دائما تؤكد أنه "لا شبهة جنائية وراء الحريق"، وإن وجدت توجه أصابع الاتهام إلى العمال، وإنه- حقا- السخف ذاته، فمهما يكن الأمر من احتقان بين العمال وأصحاب المصانع أو الشركات أو استياء العمال فمن السفه أن يصب العامل جم غضبه بهذه الطريقة، ويقطع قوته وقوت أولاده ليدخل فى نفق مظلم مع الحياة، "هوا فيه حد هيخلع عينه بيده" فحرق العامل لمصنعه أو شركته وفقء عينه بيده سواء.
من هنا فإننى لا أستبعد أن يكون حرق المصانع والشركات حلقة جديدة فى مسلسل لحرق مصر كلها هذا المسلسل أهم حلقاته محمد محمود ومجلس الوزراء وماسبيرو واستاد بورسعيد وأخيرا أزمة البنزين والبوتاجاز التى لم تنته بعد، وأؤمن بقول مسئول بـ"النصر للبترول" إن الحريق مدبر والسويس تدفع ثمن الثورة، بل أضيف أن مصر كلها تدفع ثمن الثورة، وأدعو مسئولينا والقائمين على الأمر للتدخل وعدم اعتبار هذا السيناريو المتكرر أمرا طبيعيا "قضاء وقدر" وأنه من قبيل الصدفة.
خلفنا أبريل وبعده عيد العمال، ولا أدرى أيحتفلون بعيدهم أم بنكبتهم، أم يبكون على أطلالهم المتهدمة "المصانع أو الشركات؟!.. كنت فى كل مرة أسمع خبر حريق مصنع أو شركة أتمنى أن يكون كذبة من أكاذيب أبريل، لكن مذبحة العباسية أكدت أنه لا مجال فى أيامنا للكذب وأن كذبة أبريل مجرد هذيان.
عموما كل سنة وعمالنا بخير وإلى الأفضل إن شاء الله.
صورة أرشيفية