مرت 3 سنوات على الحادثة المأساوية التى هزت العالم كله، عندما صرخ الطبيب الفلسطينيى عز الدين أبو العيش، على القناة العاشرة الإسرائيلية فى 2009 عقب قذف قوات الاحتلال الإسرائيلى لمنزله، مما أدى إلى استشهاد بناته الثلاث وبنت أخيه، وبعدها أوقف رئيس الوزراء الإسرائيلى إيهود أولمرت العملية العسكرية على القطاع، ومؤخرا أصدرت دار بلومزبرى- مؤسسة قطر للنشر، النسخة العربية من سيرته الذاتية بعنوان "لن أكره"، التى جاءت لتروى قصة حياة فلسطينى يدعو للسلام ويؤمن بأن سلاح الفلسطينين للحصول على حقوقهم فى العلم وليس الرصاص.. من كندا، حيث يعيش هناك ويعمل الآن وعبر برنامج المحادثات الإسكاى بى أجرى اليوم السابع معه هذا الحوار:
- فى البداية متى فكرت فى كتابة سيرتك الذاتية؟ وما الذى دفعك كى لا تكتفى بظهور قصتك فى وسائل الإعلام والقيام بإصدار كتاب عنها؟
قصة حياتى لم تبدأ فى يناير 2009 مع العدوان الإسرائيلى على قطاع غزة، ولكن من قبلها بخمس سنوات فكرت فى إصدار كتاب عن حياتى، يتناول من أين بدأت وإلى أى جهة وصلت، ويعطى أمل ويؤكد أنه لا يوجد مستحيل فى الحياة، ولكن توقيت حكمة الله أن يصدر بعد العدوان الإسرائيلى.
وأنا أكد أن معاناة الشعب الفلسطينى بدأت منذ أكثر من مائة عام، ووسائل الإعلام غير كافية لتوثيق الأحداث، فهى جزء من عدة وسائل للنشر وبث معاناة البشر فى العالم، والكتابة جزء من نشر الوعى بين الناس بقضيتنا، لأن من أكبر الأشياء هو الجهل بعدالة قضيتنا، وكتابى معنى بالإنسان بشكل عام وليس فقط عن الإنسان الفلسطينى.
- كيف تقدم نفسك للقارئ العربى؟
طبيب فلسطينى نشأ وتربى فى مخيم لاجئين "جبالية" وسط الحرمان والويل الذى يتعرض له الشعب الفلسطينى فى المخيمات.
وأقول إن مأساة الشعب الفلسطينى من فعل البشر، وكان هدفى طوال حياتى أن أقول لن أقبل بهذه المأساة والمعاناة وأدافع عن حريتى.
- ما هو وسيلتك للتغلب عن الحياة الصعبة فى مخيمات اللاجئين؟
سلاحى كان العلم، لتحدى ظروفى الصعبة، فحلمت أن أتعلم وأحقق أهدافى، وحصلت على منحة من مصر مخصصة للطلبة الفلسطينين لدراسة الطب.
- كيف تمكنت من الكتابة عن حادثة مفجعة بعد استشهاد بناتك الثلاث فى قصف غزة 2009؟ وما المشاعر التى صاحبتك فى توثيقها؟
كل شىء سىء يحدث لنا، بداخله جانب مشرق وإيجابى، ولقد عاهدت الله وبناتى بأن دمهم وأرواحهم لن تذهب هباءً، وسلاحى كان إيمانى بالله والحكمة والكلمة الطيبة والعمل الصالح، فلدينا ما هو أقوى من الرصاص، وهو ما أردت أن يصل إلى العالم.
- تحدثت كثيراً عن القدر وأن كل شئ يحدث لسبب ما ...حدثنا عن ذلك فى تجربتك التى وثقتها فى كتابك؟
أولا بالرغم من أن الجزء الأكبر من الكتاب بدأته قبل الحادثة ولكن مأساة استشهاد بناتى جاءت فى مقدمة الكتاب، وفى لحظة الجنون التى تحولت فيهن بناتى إلى أشلاء، قبلها بخمس ثوانى كنت فى غرفتهن قبل قذف قوات الاحتلال لها، وأهم مفارقة أنه قبل القذف كان مقررا أن أقوم بمداخلة تليفونية على القناة العاشرة الإسرائيلية، فعندما وقع الحادث وعلم العالم كله بمأساتى، أوقف إيهود أولمرت رئيس الوزراء آنذاك قذف غزة، مأساتى أنقذت حياة بشر آخرين ولكن يجب ألا نقتل من أجل حدوث ذلك.
- لديك مقولة شهيرة وهى "لو كان بناتى آخر الضحايا على طريق السلام بين الفلسطينين والإسرائيلين سأقبل آنذاك بخسارتهم".. من أين حصلت على هذه القوة للتسامح التى قد يعتبرها البعض مشاعر غير منطقية تجاه حادث أليم؟
أنا اشترطت أن يكون ذلك مرهونا بحصول الشعب الفلسطنينى على حقوقه والمساواة مع الشعب الإسرائيلى، كما أنا مسلم وفخور بذلك، والدين الإسلامى دين رحمة وتسامح وقدوتنا فى رسول الله "صلى الله وعليه وسلم" الذى لم يكن حاقدا أو منتقما من أعدائه عند فتح مكة.
- كيف كان استقبال القارئ الغربى للكتاب عندما صدر باللغة الإنجليزية فى كندا؟
صدر الكتاب أول مرة فى إبريل 2010 وحينها وصلتنى مئات الإيميلات من القراء الغربيين، يؤكدون فيها أنهم كانوا جهلاء بالقضية الفلسطينية، وأن الكتاب فتح أعينهم على حجم المأساة التى يعشها الفلسطينيون، وترجم بعد ذلك إلى العديد من لغات العالم، والكتاب أوصل رسالة قوية جدا لتغيير مفهوم العالم عن الإسلام والقضية الفلسطينية.
- ماذا عن القارئ العربى بعد ترجمة الكتاب فى شهر إبريل الماضى إلى اللغة العربية؟ وهل يخاطب الثقافة العربية أم أنه بعيد عنها؟
كان من المقرر أن تصدر النسخة العربية فى 2011، ولكن الربيع العربى أدى إلى تأخير صدروه إلى 2012، وأعتقد أن ثقافتنا تحث على التسامح، فالانتقام غريزة إنسانية ولكن العفو موجود فى معتقداتنا، وعلى الإنسان ألا يكون ضحية أكثر من مرة واحدة.
- بعد مرور 3 أعوام على العدوان الإسرائيلى على قطاع غزة...كيف تصف الحياة هناك؟
الواقع الفلسطينى يدفعنى للغضب، فالتوصيف الدقيق للحياة هو المعاناة، وأهم شىء لدى الإنسان الفلسطينى وهى حريته مسلوبة منه، كما أنه محروم من مقومات الحياة الضروية من كهرباء وماء.
- ما تقييمك للحكم الإسلامين فى غزة؟
كان يجب أن تتعلق المقاومة ببناء الإنسان الفلسطينى بتوفير مقومات الحياة ليتمكن من مقاومة ممارسات الاحتلال الإسرائيلى.
- هل أنت مؤيد أم معارض للمقاومة المسلحة؟
مؤخرا لا وجود للمقاومة المسلحة، فلقد توقفت حماس عن القيام بعمليات ضد إسرائيل، كما أن المقاومة المسلحة إذا كانت مجدية كانت ستؤدى إلى التغيير للأحسن فى الواقع الفلسطينى وهما ما لم يحدث، فأنا ضد الصواريخ من غزة على إسرائيل لأن رد الفعل الإسرائيلى يدفع ثمنه دائما الفلسطينيون.
- كيف ترى خطوات المصالحة بين فتح وحماس؟
لسنوات هى مجرد أحاديث، وسيحاسب القادة الفلسطينيون يوما على هذا الانشقاق والانقسام، فالشعب يريد حلولا فعلية وليس جلسات حوارية، فنحن اكتفينا من القادة السياسين وجاء الوقت ليكون الأحزاب لخدمة الوطن وليس العكس.
- كنت أحد المرشحين لجائزة نوبل للسلام بعد الحادث التى تعرضت له... هل تؤمن أن للجائزة مصداقية أم أنها مسيسة؟
أنا لست عضوا فى لجنة التحكيم لكى أستطيع أن أجزم بذلك ولكن هناك معايير معينة لترشيح الناس فى الجوائز الدولية، فالعالم كله يفهم قيمة هذ الجوائز.
- كيف تفسر أن يتصل بك وزير إسرائيلى ليهنئك على الترشيح؟
هو أولا صديق وطبيب اتصل بى ليهنئنى وهو ما لم يفعله القادة العرب معى.
- أليست مفارقة غريبة أن يقوم العدو بتهنئتك؟
أتمنى أن أحصل على حقوقى من العدو ليصبح بعد ذلك جارا وصديقا، كما هى اتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل، فنحن نعتمد ونتعامل مع الإسرائيلين فى كل حياتنا.
- كيف ترى طريق السلام مع استمرار تهويد القدس؟
كما كان الربيع العربى غير متوقع، فمن الممكن أن تحدث تغييرات إيجابية فى القريب فى عملية السلام.
- هل يمكن أن تحدثنا عن المؤسسة التى أنشاتها فى كندا من أجل الفتيات الفلسطينيات؟
اسمها " بنات من أجل الحياة" استلهمت فكرتها من أن أرى أهداف بناتى تتحقق من خلال إنجازات بنات تدعمهن المنظمة، فالمرأة الفلسطينية ساعدت على بقاء القضية الفلسطينية حية حتى الآن، وخلال العام الماضى تواصلنا مع جامعات مصرية لترشيح 5 فتيات تمكنا من النجاح فى الجامعة والتميز بالرغم من ظروفهن الصعبة، ولكن لم نحصل على إجابة.
- هل تفكر فى إصدار كتاب آخر؟ وعن ماذا سيكون الكتاب؟
بدأت بالفعل فى كتاب باللغة الإنجليزية وأتمنى أن انتهى منه فى آخر العام الجارى، موضوعه "أعداء النفس البشرية الثلاثة: الكبرياء والغرور والطمع".
- أخيرا... ما هى المقولة التى تؤمن بها وساعدتك على مواجهة الحياة بعد ما مررت به؟
المقولة هى قول الله تعالى: "ولا تحسبن الذين قتلوا فى سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون".