أحياناً ما يكون البحث فى قصاصات الماضى جميلاً وأمراً محبباً إلى النفس، إذ تجد ورقة أو كلمة أو صورة تذكرك بذكريات جميلة عشتها فى الماضى، تعود بمخيلتك ولو لقليل من الوقت إلى الماضى، لعلك تهرب من واقعك الذى تحياه، المشكلة هى عندما تجد ما يضحك من باب "شر البلية ما يضحك"، فى العدد الثانى والستين "نوفمبر 2010 م" من المجلة الشهرية "شباب البترول" كانت صفحة الغلاف تتلخص فى صورة للرئيس المخلوع حسنى مبارك ويدلى بصوته فى صندوق الانتخابات فى آخر انتخابات برلمانية يشهدها عهده، وآخر انتخابات مزورة تشهدها مصر، بعدها بأسابيع تهكم الرئيس على من قاموا بعمل ما يعرف بالبرلمان الموازى بعد أن حصد الحزب الوطنى المنحل فى تلك الانتخابات على الأغلبية "الساحقة" لدرجة أنه قام بتزوير نتيجة الإعادة فى بعض الدوائر فى محاولة للإبقاء على بعض مرشحى المعارضة والمستقلين فى المجلس كنوع من التزيين الديمقراطى للمجلس، وهى سابقة لم ولن تجدها فى أى دولة وربما على مر التاريخ أن تجد حزباً يزور لصالح خصومه.. لكن الحزب الوطنى المنحل استطاع أن يفعل ذلك، وفى الثلث السفلى من الصحفة: وثيقة حب وتأييد للحزب الوطنى، وتهنئة لوزير البترول المحبوس حاليا / سامح فهمى.. كونه أصبح نائباً برلمانيا عن أهالى مدينة نصر ومصر الجديدة.
أحيانا أشعر بالأسف على حال الكثير من الصحفيين الذين عملوا فى تلك الفترة الماضية فى ظل النظام البائد، فبعضهم كان مجبراً على كتابة كلمات يملأها النفاق والزيف.. فقط من أجل تلميع وزير أو مسئول، وبعضهم كان يفعل ذلك عن قناعة وإيمان داخلى بما يكتبه، لكن فى كلا الحالتين أصبحت لا أتقبل ما يكتبونه الآن مهما كانت كلماتهم الحالية ثورية أو تؤيد الشعب بعيداً عن الأنظمة أياً كانت الأنظمة، ربما لو استمروا فى تأييدهم لرجال النظام البائد لصدفتهم، إذ إنهم بذلك يثبتوا أنهم يكونوا يضللون القراء فى الماضى، لكن كيف ؟!، فكما تنص المقولة المصرية "لكل وقت آذانه"، فباتت نظرية "الحرباء" هى الدارجة بين أهل الإعلام والصحافة، فمن يحكم.. هو من يملك ولاءهم !
داخل صفحات العدد ستجد "واحد من الناس"، هكذا وصفت المجلة وزيرها.. الإنسان المهندس البطل، عاشق السويس (دائرته سابقا عن الشورى) وعاشق مصر الجديدة (دائرته الأخيرة عن الشعب)، إنه المكافح الوزير النائب / سامح فهمى، صفحات عديدة متتالية لا تجدها فيها سوى ما يحمل الولاء للرجل، والتقدير لإنجازاته، والنفاق لخدماته ولأفعاله، لقد سمعت ذات مرة رجلاً بسيطاً قبل الثورة يتحدث عن المفارقات الغريبة فى رواتب العاملين بقطاعات الدولة المختلفة، لماذا يتقاضى بنى وزارة البترول رواتب تعتبر خيالية مقارنة بالعاملين بقطاعات أخرى بالدولة ؟!، لماذا يتم تسخير جزء ليس بالقليل ليتم ضخه فى قطاعات الأندية الرياضية التى تمولها وزارة البترول وشركاتها فى الوقت الذى يبحث فيه البسطاء عن رغيف الخبز ؟! ، مازلت أتذكر جيداً تساؤل الرجل عندما قال "هما بيطلعوا البترول من أرض أبوهم !" ـــ بالفعل لا، بل أرض آبائنا وأجدادنا جميعاً، وهو ما يعنى أن كل ما تحتويه الأرض من موارد طبيعية وبغض النظر عن كينونتها هى ملك بالأساس للشعب بأكمله، وتسخير تلك الموارد لتمويل احتياجات الشعب قبل أى شىء، وإن كان هناك ما يفيض فلنبحث عن مستورد.. على ألا تكون إسرائيل ـ عدونا الأول ـ من بين المستوردين.
المؤسسات الصحفية والمواقع الرسمية لم تقم بمحو أرشيفها فى الماضى، وهو ما يبقيها مكاناً مناسباً وسهلاً للبحث عن ماضى كثيرين يتلونون الآن، ويتقمصون بطولات ليست من حقهم، فى وقت استباح فيه النظام أموال دافعى الضرائب المصريين وخيرات البلد لتمويل مؤسسات توزع الضبابية وتنشر الزيف والتضليل على الناس تحت مسمى "الصحافة والإعلام"، لقد حان الوقت كى يتم تطهير الإعلام الرسمى بشكل عام والصحافة بشكل خاص، وعلى كل صاحب كلمة أن يقولها صادقة أو ليصمت.
سامح فهمى