يعيش الشيخ الحبيب حازم صلاح أبو اسماعيل وأتباعه ومحبوه محنة حقيقية، فلم تكن تفصلهم عن الفرحة الكبرى والفوز بكرسى رئاسة أكبر وأهم دولة إسلامية فى العالم سوى ستون يوماً، حيث كان الرجل هو الأوفر حظاً لتقلد المنصب، وكان الأكثر جماهيرية.
وبسحبه من السباق بهذه الصورة التى تابعناها جميعاً، تعرض الشيخ حازم لظلم فادح، وتلقى أتباعه ضربة عنيفة جعلت البعض منهم يخرج عن شعوره، ويطلق شعارات وهتافات فى غير موضعها، لكننى أرى أن ردود الفعل الصاخبة تلك على قرار إقصاء الشيخ من سباق الترشح ليست وليدة اللحظة، وليست الرد المباشر العفوى على قرار اللجنة، إنما هى أثر للبدايات، ونتاج طبيعى للغرس الذى زرع فى أرض مشروع الشيخ حازم الرئاسى الجماهيرى قبل شهور عديدة.
لا أدعى الحكمة والمنطق، ولا أزايد على أحد، ولكنى أزعم أن لدى تجربة لابد من تقديمها وإضافتها لرصيد إخوانى، خاصة فى تلك الظروف العصيبة التى يمرون بها.
والبداية الخاطئة التى أعنيها، والتى أدت بعد ذلك إلى تبنى هذا الموقف الاحتجاجى الصاخب على قرار إقصاء الشيخ قد مررنا بها فى الجماعة الاسلامية، وإن اختلفت الظروف والملابسات، وبدلاً من كلمة "لازم" فى حملة "لازم حازم" كنا نستخدم كلمة "حتمية" فى العبارة الشهيرة فى أدبيات الجماعة الإسلامية فى مرحلة الصدام مع السلطة "حتمية المواجهة".
وأرى أن هذا جزء مهم من الإشكالية؛ ففى شبابنا كنا نرى أن هذه الجملة مقدسة، وكان من الصعب جداً أن يفلح أحد فى إقناعنا بخلاف ذلك، لكننا مررنا بتجارب عملية وضحينا فى سبيل هذه "الحتمية" بأعمارنا، ثم صادفنا قادة ومفكرين هم أنفسهم من قدسوا لنا "الحتمية" وهم أنفسهم من هدموها وجعلوها أنقاضاً داخل قناعاتنا.
وقد تعلمنا منهم أنه لا يوجد بشرى حتمى ولازم، وأن هناك فرقاً كبيراً بين المنهج الإسلامى وبين اجتهادات البشر، وأن عصمة المنهج وعصمة الشريعة لا تعنى بالضرورة عصمة الاجتهادات البشرية، ولا تستلزم قدسيتها.
وتعلمنا منهم أن الإسلام وحى معصوم لا ريب فيه، أما الفكر الإسلامى فهو عمل العقل البشرى فى فهمه، والحكم الإسلامى هو عمل السلطة البشرية فى تنفيذه، وكلاهما لا عصمة له.
وتعلمنا من قادتنا ومفكرينا بعد سنوات الصدام والمحن والسجون والغربة والنفى أن هناك فرقاً كبيراً بين الحتمية "أو اللازم"، وبين السنة الكونية؛ فالسنة الكونية من صنع الله، بينما الحتمية من صنع البشر، هم الذين نظروها وحتموها، والسنن الكونية خارجة عن إرادة البشر والحتمية تخضع لإرادة البشر فى العمل بها أو عدمه، وأن ألزم البعض نفسه بها فإنه يقدر على ترك الالتزام بها.
تعلمنا ألا نقدس فكرة بشرية، وألا نصنع الشعارات ثم نتخذها منهاجاً ثابتاً لا يتغير– كما يحدث اليوم مع شعار "لازم حازم" و "حازمون"– ولكن نرفع الشعار الذى يوافق مصلحة الإسلام وينطلق من مشكاة الشريعة، ولذلك فقد تختلف بعض الشعارات الفرعية لاختلاف واقعها لذلك لا تتخذ منهاجاً ثابتاً للمسلم، وإنما تعود فى نهاية الأمر إلى شعار الإسلام الذى لا يتبدل أبداً، وهو العبودية لله وحده وإقامة الدين، وهو الشعار والهتاف الذى جاء به الرسل جميعاً: "يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره".
وتعلمنا أن وضع الحتميات دائماً لا يُجدى على أرض الواقع؛ لأنه يعنى إهمال كل ما هو محتمل من متغيرات الواقع الذى هو متغير بطبعه على الدوام، والحتمية قد يحتمها أهل زمان، ثم ينفيها من بعدهم، ويحتمون غيرها، وقد يحتمها أهل مكان، ولا يحتمها أهل مكان آخر، وقد يحتمون غيرها.
وأن أخطر ما يترتب على القول بالحتميات هو إلغاء العقل والتفكير، والجمود على الرأى الواحد، والوقوف عن متابعة عجلة الزمن، فى حين أن المسلم مطالب بأن يسلك المسالك الشرعية التى تبلغه مقصوده من إقامة الدين واسترداد الحقوق، وأن يختار من هذه المسالك ما يناسب قضيته وواقعه، وألا يختار منها وفق ما تقتضيه حماسته أو تميل إليه رغباته، وعليه الدوران مع مقاصد الشريعة حيث دارت، وعليه السعى لتحقيق مصلحة الإسلام حيث كانت.
وتعلمنا أن عدالة القضية– وأنا مقتنع بنسبة كبيرة بأن قضية الشيخ حازم عادلة– لا تعنى الحتمية واللزوم، ما دام أن هناك سبلاً أخرى وبدائل قد تكون هى الأنسب والأنجع لنصرة قضايانا، وطالما أن هناك بدائل تخدم بنفس المستوى والكفاءة قضايانا العادلة، دون التمحور والجمود حول حتمية قد تؤدى إلى خسارتنا وإلى تقهقرنا.
تعلمنا فى هذا الشأن أن القول بالحتمية واللزوم، يعنى أنه ليس هناك بديل شرعى آخر لسياسة الواقع، وتحقيق مصالح الوطن والإسلام والمسلمين، وهذا غير صحيح فالبدائل موجودة ومتوفرة. وأن كل ما وضعه البشر من حتميات ولزوميات سوى الكتاب والسنة فهو ليس بحتمية وليس بلازم، والحكمة تقضى بالتفاعل مع معطيات الواقع وعدم إهمال ما هو محتمل من متغيراته، والواقع بطبعه متغير، وبهذا يقع التناقض فالحتمية معناها الثبات واللزوم والواقع يفرض التغير.
وتعلمنا أيضاً– وهذا هو الأهم– أن العواطف- وإن كانت صادقة- لا تضبط وحدها سيراً، ولا تهدى سبيلاً، ولا تصلح دنيا ولا ديناً، ولابد من حسابات دقيقة منضبطة بالشرع ومراعية للواقع.
هذا نتاج تجربة امتدت لعشرات السنين أقدمها لإخواننا الكرام فى حملة "لازم حازم"، فهم أولى بخلاصة التجربة بدون حتمية ولا لزوم للاحتراق بلهيبها وضياع أعمار جديدة لأجلها.
لا أطالبكم بالتخلى عن شيخكم، لكن لا تحبسوا أنفسكم فى إطار وقالب لا تقدرون معه على مواكبة الأحداث والتغيرات والوقائع، واخرجوا سريعاً من أسْر تلك الحتميات واللزوميات التى كبلتم بها أنفسكم– مع كامل احترامنا وتقديرنا للأشخاص والرموز– واتخذوا من الوسائل والبدائل المتاحة ما تنصرون به الشريعة وما تدفعون به المسيرة إلى الأمام.
هشام النجار يكتب: نقاش هادئ حول شعار "لازم حازم"
الثلاثاء، 01 مايو 2012 01:08 م
حازم صلاح أبو إسماعيل