من استذكار التاريخ وقراءة الواقع على مدى أكثر من قرنين من الزمان، كان أهم ما تعلمته واستقر فى قلبى وعاش فى وجدانى أن مصر بلد ولادة ولدت لنا الآلاف بل الملايين من القادة والعظماء والشرفاء منهم على سبيل المثال لا الحصر المستنير الإمام محمد عبده والبطل أحمد عرابى ومحمد فريد ومصطفى كامل وسعد زغلول ومكرم عبيد والشيخ حسن البنا والزعيم جمال عبدالناصر والشيخ الشعراوى والشيخ جادالحق والبابا شنودة الثالث، آلاف الآلاف الذين لا يتسع المجال لذكرهم فى كل المجالات.
من المتابعة الدقيقة ساعة بساعة لأحداث ثورة يناير المباركة وتوابعها أعتقد أن الجميع شاهد الملايين الهادرة فى كل ميادين مصر المحروسة من أبناء مصر الشرفاء من كل الألوان والأطياف والطبقات والطوائف خرجت فى ثورة سلمية لاعنفية وحضارية أبهرت العالم لإسقاط نظام فاسد مستبد واستجاب رب العزة وألقى الرعب فى قلوب الفئة الضالة وانتصر الحق وزهق الباطل فى لحظة فارقة اختلطت فيها الدموع بالفرح والتى نادرا ما تحدث ثورة صنعها الله سبحانه وتعالى لا يمكن أن ينسبها أحد لنفسه وبالتالى لايمكن أن يسرقها من الشعب كائنا من كان.
على رأس هذا المشهد العظيم ظهرت آليات ودبابات ورجالات قواتنا المسلحة الباسلة وعلى رأسها المجلس الأعلى للقوات المسلحة فى مشهد حضارى يتماشى مع شرف وبطولة وبسالة العسكرية المصرية ليتقابل الشرفاء من أبناء الشعب الثائر فى الميادين مع شرفاء الوطن من أبناء قواتنا الباسلة التى رفضت إطلاق رصاصة واحدة على أى من الثوار وقدرت الموقف وانحازت للشعب وطلبت من المخلوع التنحى حقنًا للدماء وانضمت للشعب وتعهدت بتنفيذ مطالبه وحماية ثورته المشروعة.
وانطلقت القيادة الشريفة وجنودها وضباطها الشرفاء وحملت الأمانة بصدق لم لا؟ وهم من قال عنهم نبى الرحمة -صلى الله عليه وسلم- إنهم خير أجناد الأرض. تصدت لأعمال البلطجة والفوضى وحمت المؤسسات ورفضت سقوط الدولة الذى يعنى سقوط مصر الذى هو حلم يراود أعداء الوطن فى الخارج والداخل. وفى نفس الوقت انطلقت فى خارطة طريق سياسية معلنة لنقل السلطة بطرقة منظمة وديموقراطية إلى من سيختارهم الشعب من خلال صناديق شفافة فى حرية تامة وانتخابات حقيقية بدون تزوير لأول مرة فى التاريخ المصرى الحديث والقديم.
عاهدوا الله والشعب على الوقوف على مسافات متساوية من الجميع وأفرجوا عن جميع المعتقلين وأعادت محاكمة الفارين من ظلم وبطش النظام المخلوع وأطلقت حرية تكوين الأحزاب بعد أن فككت الحزب الحاكم وبرلماناته المزورة وجهاز أمن النظام الظالم وأطلقت الحريات بطريقة غير مسبوقة فى مشاهد أبهرت العالم ومواقف نوعية عجز عنها كل العسكريين، الذين سيطروا على الحكم فى الكثير من بلدان العالم. لأول مرة يمنح جيش شعبه حرياته كاملة من اللحظات الأولى والسبب بسيط وهو أن الشعب هو من قام بالثورة ثم لحق به الجيش ليؤيد الثورة.
لاشك أن هذا الموقف النوعى والفريد لقواتنا المسلحة أدهش الجميع وكل القوى السياسية تقريبا أبدت دهشتها ووجدت صعوبة فى استيعاب الموقف وهذا أمر طبيعى لأن القوى السياسية ما هى إلا فصائل تحلم بالسلطة وكراسى الحكم لتنفيذ برامجها التى تعمل من أجلها وتؤمن بها وهذا أمر طبيعى ومشروع فكان الارتباك والانتقال من موقف إلى آخر معاكس فكانت الاتهامات تلو الاتهامات والتشكيك فى كل قرار بمنطق وبدون منطق مع ما صدرته لنا الثورة المضادة من مشاكل وفوران وأزمات. فى هذا البحر الهائج قادت قواتنا المسلحة السفينة باقتدار وبكل ثقة وبكل أمانة وصدق وشرف.
هنا والآن بالأخص ونحن نعبر أخطر وآخر فصل من فصول المرحلة الانتقالية أريد أن
أطرح بعض التساؤلات على الجميع مع احترامى للجميع واحترامى لكل رأى مهما كان وهذا ما تعلمته من ثورة شعب مصر العظيمة. أليست القوات المسلحة ومجلسها الأعلى فصيلا وطنيا من فصائل الوطن؟ ولها رأى ورؤية فى كل مايدور فى هذا البلد؟، هل التاريخ المشرق والمشرف لمؤسستنا العسكرية لا يعطينا الحق فى الثقة فى كل قراراتها؟! من الذى سيتحمل عبء السيطرة على الفوضى ومنع انهيار الدولة غير هذه المؤسسة الشريفة؟! هل التهم بالتواطؤ مع الإسلاميين مرة ومع الأمريكان مرة ومع دول عربية بعينها مرة أخرى، كانت تحمل شيئا من الحقيقة؟ هل من طافوا البلاد بلافتات عسكر كاذبون كانوا هم الصادقين؟ هل إهانة رجال القوات المسلحة على الملأ بالألفاظ البذيئة أو الإشارات المعيبة عمل يحمل حتى القليل من الوطنية؟ هل حلم الإخوان أو السلفيين أو الجماعة الإسلامية أن يسمح لهم ذات يوم بالعمل فى النور وفى إطار القانون بهذه الحرية وخارج السجون والمعتقلات؟ هل تهديد قادة القوات المسلحة بوضعهم فى اللومانات أو التلويح لهم بالخروج الآمن فيه شىء من الوطنية؟.
أسئلة كثيرة ولكن السؤال المهم والخطير هل من الصواب أن تقوم القوات المسلحة بتسليم السلطة لرئيس منتخب، قبل وضع دستور مصر الجديدة وخاصة فى ظل حالة الاستقطاب الحادة التى تشهدها البلاد ليبدأ الصراع من جديد بين الجميع حول هذا الدستور؟.
بالإجابة على كل هذه التساؤلات بقلب وضمير مصرى أصيل وعقل ثورى حر وبالإضافة إلى التاريخ المشرف الذى نعرفه جميعا أعتقد أننا سنجد أنفسنا جميعا قد وصلنا إلى حقيقة واضحة وضوح الشمس، وهى أن القوات المسلحة المصرية، وعلى رأسها المجلس الأعلى هم بحق الحق والحقيقة على قمة شرفاء هذه الأمة العظيمة نعم هم أشرف الشرفاء الذين أوفوا بعهودهم كما تعودنا منهم وخاصة أنهم يتمنون انتهاء هذه المرحلة الانتقالية الخطيرة دائما ويحلمون باليوم الذى يخرجون فيه من هذا المستنقع السياسى الاستثنائى وخاصة أنهم يعلمون تماما أن هذا هو بعينه مطلب شعب يرفض الحكم العسكرى تحت أى مسمى.
والواجب من وجهة نظرى أن نعترف ونفخر بهذه الحقيقة ومراجعة النفس ليست بعيب بل بالعكس الاعتراف بالحق والرجوع إليه فضيلة. والواجب يحتم على مؤسستنا العسكرية الشريفة والباسلة تحمل المزيد من المشقة والعمل الدؤوب للخروج بنا إلى بر الأمان وإلى دولة مصر الديموقراطية الحديثة، كما أنه من حقهم الحفاظ على منعة وقوة جيش مصر العظيم كمؤسسة لها خصوصية أهم ما فيها سرية العمل والحركة وعناصر التمويه والمفاجأة مثلها مثل أى جيش فى العالم.
حمى الله مصر من فتنة وضع الدستور القادم وحمى الله مصر من فتنة اختيار الرئيس القادم والهمنا جميعا فن الحوار والتوافق.
المجلس العسكرى