لا يمكن أن تحكم بنجاح جمعة 20 أبريل(جمعة تقرير المصير) إلا إذا كنت ترى أن الرهان العددى لحركات الإسلام السياسى، يمكن أن يساهم فى قلب موازين اللعبة، وهذا مثير للشفقة بحق لأن الجميع يعلم أن ما تم ما هو إلا استعراض عضلات ليس إلاّ!.
إن المشكلة الكبرى للحركات الإسلامية أنها لا تريد أن تخسر المكاسب التى حصدتها بعد الثورة لذا تظل علاقتها بالميدان دوما تحمل حسابات خاصة، وفقا لقواعد اللعبة السياسية، فهى حين ترى أنها أصبحت تمثل السلطة التشريعة فى البلاد نرى توافقا وتناغما يصل لدرجة التكامل مع السلطة التنفيذية ويصبح الميدان أداة لتعطيل الإنتاج، والدفع بالوطن للفوضى وحين يحدث الشقاق بينهم وبين المجلس العسكرى يصبح استكمال الثورة واجبا وطنيا وتعلو منصاتها بشعارات سقوط العسكر.
أما القوى الثورية والليبرالية فرغم صمودها على مبادئها طيلة العام السابق، إلا أن إشكاليتها الكبرى هى فقدانها الدعم الشعبى، ربما لهيمنة الإسلام السياسى على الأغلبية العددية داخل المجتمع وربما لأن الملايين العديدة ترفض الكثير مما تنادى به من سقوط حكم العسكر لاعتبارات أمنية وخوف من الفوضى فضلا عن الحاجة الماسة للمواطن المصرى البسيط لسلطة قوية يثق بها فى مناخ تتساقط فيه كل السلطات، هى من الأمور التى اعتبرها رجل الشارع من الخطوط الحمراء التى فشلت القوى الثورية فى إقناع المجتمع الحقيقى المتمثل فى الطبقات الواسعة العريضة فى الريف، حيث الفلاح وصغار الموظفين وربات البيوت والعمال و.. إلخ والدليل على ذلك دعوات الإضرابات السابقة التى هدفت لسقوط العسكر، كان الرد عليها من قبل القطاعات العريضة فى المجتمع بالعمل يوم العطلة الرسمى.
أما أنصار المرشح المستبعد، الشيخ حازم أبو إسماعيل فقد كانوا يغردون بعيدا عن كل الحركات المتواجدة بالميدان، فهم لهم مطلب واضح وهو إعادة مرشحهم للسباق الانتخابى، وهم مع الأكثرية العددية (ودوما نكرر تلك الكلمة) يقررون الاعتصام لحين الاستجابة إلى مطلبهم مع دعوات بالصدام هى أبعد ما تكون عن التوفيق.
أما المجلس العسكرى، فقد تحمل ما لا يمكن تحمله منذ توليه مسئوليات الإدارة فى البلاد على خلاف المبادئ العسكرية (الإهانة واتهامات بالكذب وقيادة الثورة المضادة) وعدم إدراك القوى المختلفة لطبيعة المرحلة الصعبة التى انهارت فيها مؤسسات مجتمعية وحدوث انفلاتات سلوكية إلا أن الخطأ الأكبر، الذى وقعت فيه هو أننا ندفع أخطاء عدم عمل الدستور أولا قبل بناء المؤسسات وإجراء انتخابات رئاسية، كذلك تسامحه الزائد وعدم انتهاجه لسياسة القوة فى فرض الأمن بالشارع وإتاحة المسرح السياسى للجميع بلا ضوابط محددة، مما جعل البلاد مرتعا خصبا لكل من أراد أن يعبث بمقدرات هذا الوطن.
فى جمعة 20 أبريل، كان الميدان أشبه بثلاثة إخوة على موعد مع السفر بالقطار لبلد واحد، لكن كل واحد منهم أصر على أن يذهب ليحجز تذكرة منفردة ومقعدا لا يجاور أخاه وفى عربة منفصلة!.
الكل يراهن على الميدان لكن اللعبة التى تفسد ذلك الرهان هى لعبة التخوين وهى لعبة غير منفصلة عن الواقع السياسى، الذى نعيشه فبالطبع سيرى الثوريون أن الأحزاب ذات المرجعية الإسلامية قد خانت الثورة بتركها الميدان وتركهم طيلة العام الماضى يتعرضون للانتهاكات داخل الميدان وأنهم لا يبحثون عن شئ سوى مصالحهم، وأنهم لم ينزلوا الميدان إلا بعد أن شعروا بتهديد المجلس العسكرى، وأنهم هم من عارضوا سابقا المليونيات.
أما الحركات الإسلامية ستنظر إلى القوى الأخرى بأنها فاقدة للمشروعية، وأنها لا تحظى بدعم شعبى ولا مانع من اتهامها بأنها تعمل ضد الدين وتهدف إلى علمنة الدولة وإتاحة الحريات التى تقود للفوضى الأخلاقية.
ومع ذلك كله ستظل كل المليونيات بلا قيمة حقيقية طالما تمارس تلك اللعبة ومن غير المتوقع أصلا حدوث ذلك الاتفاق، حتى بين حركات الإسلام السياسى نفسه، بين حزبى الحرية والعدالة وحزب النور حيث تتباين حتى الأهداف والوسائل بينهما بينما يظل أتباع الشيخ حازم أبو اسماعيل مرابطين على قضية أخرى تماما، مما يدفعنا للسؤال حول قدرة جمعة 20 أبريل، وما يليها من مليونيات على تحقيق الأهداف المرجوة خصوصا مع أمنيات القوى المختلفة بثورة غضب ثانية مماثلة لثورة الغضب الأولى، ولا شك أنها لسذاجة كبرى إذا اعتقدوا أنه يمكن أن تتكرر، لأن نجاح الثورة المصرية كان شعبيا
، فالملايين التى خرجت فى 25 يناير وفى كل ميادين مصر هى من أنجحت تلك الثورة العظيمة لكن هل سيعيد المصريون الكرة مرة أخرى فى ثورة غضب ثانية؟.
إن مجرد هذا التفكير يعنى عدم قدرة على قراءة الواقع والوقوع فى الخيال السياسى، ويدفع أيضا للسؤال عن اهتمام القوى المختلفة برجل الشارع البسيط وتقييمها لاحتياجاته ومتطلباته بعد الثورة، التى بدأ يشعر أنها لم تسهم حتى الآن فى تغيير وضعه الاقتصادى، الذى ساء وكذلك تدهور الجانب الأمنى وأنها تمارس نوعا من الترف الفكرى والتنظيرى وتصفية حسابات شخصية مع المجلس العسكرى، وتوزيع اتهامات على بعضها البعض وفى خضم ذلك كله تاهت احتياجات المواطن وآماله فى غد أفضل، وهو يشاهد خلافات الميدان وتأسيسية الدستور بينما جيب المواطن يكاد يكون خاويا فلا رغيف خبز يجد، ولا أمان يعيش فقط، ولا كرامة يشعر فقط، يتلقى دعوات المليونيات بينما لا يشعر بأهدافها سواء أكانت حرية أو معيشة كريمة أو عدالة اجتماعية!.
للأسف الشديد تعتقد القوى المختلفة أنها بالمليونيات توجه رسائلها للمجلس العسكرى بضرورة تسليم السلطة وتخوفه من الغضب الشعبى، وهذا أيضا من الأخطاء المتكررة والتى لا تراها تلك القوى أنها قد أرسلت رسائل عكسية للمجتمع بأنه لا أمل فى غد أفضل طالما أن المنصات تتعارض أهدافها وطالما أصبح الميدان استعراضا للعضلات، وطالما أصبحت السلطة والصراع عليها هى الهدف الحقيقى للقوى السياسية.
إن المجلس العسكرى رغم أنه يستحق كل أنواع الدعم الممكن ورغم أنه لعب دورا مهما ورئيسا فى الحفاظ على كيان الدولة المصرية، وهذا الدور سيظل محفورا فى التاريخ المصرى، رغم أنف الحاقدين إلا أنه لا يجب أن يخلف ما وعد به ويقوم بتسليم السلطة لرئيس منتخب، حتى لو لم يتم الانتهاء من الدستور، ويكمل ما بدأه من إنتاج مؤسسات تستطيع أن تقوى من أركان الدولة التى كان هو عمودها الوحيد، فى أوقات سابقة وتحمل لوحده عبء إدارة الوطن فى وقت نشطت فيه الخلايا المخربة وانهار الأمن تماما، حتى وصفها وزير الداخلية الأسبق بأن الداخلية كانت قد انتهت تماما.
إن الرهان الحقيقى الناجح هو أن يقوم المجلس العسكرى بعمل انتخابات رئاسية شريفة مثلما حدث فى الشعب والشورى فتكوين المؤسسات هو رهان الاستقرار فى الدولة ولقد أساءت حركات الإسلام السياسى لنفسها، حين عادت للميدان بعد أن اكتسبت شرعية مؤسسية على يد الشعب ولم يعد مقبولا أن تنزع عن نفسها الشرعية مرة أخرى تحت دعاوى أى أعذار لأن عقارب الساعة لا تعود للوراء، وفى الأوقات الصعبة تكون فى أمس الحاجة لأى تقدم ممكن إنجازه، ومن ثم فرهانهم الخاسر فى جمعة 20 أبريل هو أنهم قد ضحوا بشرعيتهم من أجل خلاف مع المجلس العسكرى ولم يضعوا الوطن صوب أعينهم، وكان من الأولى أن يقدروا أصوات الناخبين الذين انتخبوهم من أجل الاستقرار، وكان من الأولى لهم إن أرادوا أن يخوضوا معركة أن تكون تحت قبة البرلمان لا الميدان ومن ثم فالرسالة التى ستصل لنا أنهم غير قادرين على خوض معاركهم فى إطار مؤسسى وشرعى وهذا يسحب من رصيدهم فى الشارع وهم أصلا أصحاب الشرعية!.
المشهد السياسى مرتبك للغاية لكن الحقيقة الواضحة أن المواطن المصرى هو صاحبه وأننا لا نسمع صوته إلا عبر الصندوق الانتخابى وأن تسليم السلطة فى نهاية يونيو وقدوم رئيس منتخب هو أفضل الحلول التى ستضعنا على فضاء آخر من الاستقرار بعيدا عن لغة الضغط الثورى.
صورة ارشيفية