شعر المصريون بكثير من الضيق بعد الإفراج عن المتهمين الأمريكيين، وسارع مناهضو المجلس العسكرى بالعمل على استغلال القضية وفيما يبدو أن الفرصة قد جاءتهم لكى يضربوا أربعة أهداف بكرة واحدة من اللهب، وأولهم طبعا المجلس العسكرى الذى من وجهة نظرهم قد أضاع كرامة الوطن وقبل التدخل فى شئونه من جانب جهة يبغض الشعب سياستها وثانيا الحكومة المسكينة التى يراد لها الفشل رغم أنها تعمل فى مناخ معجز(بضم الميم) لها ورغم أن رئيس وزرائها من أحد الكفاءات التى تعد على الأصابع ممن شغلوا هذا المنصب، وفقا لأرقام النمو الاقتصادى وقت أن كان رئيس وزراء فى عهد الرئيس السابق وثالثا وهو التشكيك فى القضاء، تلك المؤسسة الشامخة التى يحمل كل مصرى لها كل التقدير ورابعا وهو الأهم محاولة إضعاف البرلمان المنتخب شعبيا والادعاء بأنه لا يعبر عن روح الثورة ودفعه دفعا نحو اتخاذ قرارات ثورية لا يحق له أن يتخذها وفقا للأوضاع الحالية.
لكى نكون منصفين فقط علينا أن نسأل سؤالا لأولئك :متى كنتم داعمين لكرامة الوطن ووقفتم خلف المجلس العسكرى فى تلك القضية خصوصا والأيام الماضية شهدت تصعيدا غير مفهوم من جانبكم ومحاولة إسقاطه من المشهد وتنظيم إضرابات ودعوة لعصيان مدنى وتنظيم مسيرات لوزارة الدفاع وتشويه صورة الجندى المصرى؟
منذ متى تهتمون بكرامة الوطن وأنتم إزاء تلك القضية عبرتم عن دعمكم بكثير من التشكيك واتهام المجلس بأنه يحاول تحسين صورته عن طريق اختلاق قضايا وهمية!! فى إشارة إلى أن حزنكم الآن على رفع حظر السفر عن هؤلاء وسفرهم لم يكن واضحا عندما كانوا مختبئين فى مقر السفارة الأمريكية.
الذين يزايدون الآن على ذلك الموقف ينسون أو يتناسون مواقف سابقة مشرفة سياسيا للإدارة العسكرية المؤقتة فى البلاد ومن أمثلة ذلك الهدف الذى سددوه عندما أقاموا تقاربا وتصالحا –على غير رغبة الإدارة الأمريكية والكيان الصهيوني-بين حماس وفتح فى وقت أدركوا أن هذا المجلس أصبح خطرا عليهم، وأنه يستطيع إدارة اللعبة السياسية العالمية باقتدار ولا ننسى رعايتهم لإتمام صفقة شاليط ومن وقتها والتصعيد ضده فى الشارع أصبح جنونيا عبر نشطاء نسوا أن هذا المجلس هو مجلس وطنى أصيل، وأعضاؤه أبطال عسكريون نفخر بدفاعهم عن الوطن فى أوقات صعبة وأن الأموال الأمريكية التى تقدر بمليار و200 مليون جنيه ليست بمبرر لنسيان تلك الحقيقة!
نسوا قوة الشخصية المصرية عندما وقفت مصر بقوة أمام إقامة قواعد عسكرية أمريكية وفقا للمعلومات المتسربة وبقى 12000 ألف جندى أمريكى فى مالطا لا يستطيعون دخول الأراضى الليبية بعد زيارة المشير طنطاوى الشهيرة.
نسوا أيضا رفض مصر إقامة قواعد لحلف الناتو فى ليبيا واعتبرت ذلك تهديدا للأمن القومى المصرى، بل ومدت يد المساعدة للأشقاء وقيامهم بتدريب عناصر الأمن لديها وإبقاء المحافظة على فتح باب التعاون للإخوة العرب.
إذا الذين يتحدثون عن معركة الكرامة يمرون أمام المواقف المسبقة، والتى حدثت منذ وقت قريب مرور العابرين وهم يغمضون أعينهم عن حقيقة هامة وهى أن الكرامة المصرية لا يمكن أن تمس بسوء، وأننا أكبر بكثير من كل تلك المهاترات وأدعوهم فى تلك القضية تحديدا، أن يرجعوا بذاكرتهم أياما قليلة فقط ليعرفوا هل حقا تم إهدار الكرامة المصرية أم لا.
فى البدء كان التهديد الأمريكى بقطع المساعدات وخاطبت السفيرة الأمريكية الجهات المختلفة فى الدولة لحل الأزمة، ثم سرعان ما انقلب الغضب لتصريحات ودودة من قبيل تصريح كلينتون أن المجلس العسكرى يقود المرحلة الانتقالية بشكل شفاف وإيجابى، ثم زيارات مختلفة من مسئولين كبار فى الإدارة الأمريكية وحتى عندما قطع الوفد العسكرى المصرى زيارته لأمريكا من جانب واحد أسرع رئيس الأركان الأمريكى إلى مصر للتفاوض، ثم ماكين فى إطار يشبه التودد الزائد لحل تلك الأزمة وآخرها إقرار المساعدات الأمريكية قبل قرار رفع الحظر عن السفر بعد تعهدات أمريكية بمثول هؤلاء مرة أخرى لجهات التحقيق على حسب تعبير جريدة النيو يورك تايمز ويبدو أن ذلك ليس مهما لكن السؤال الأهم أنه فى الفترة السابقة كان يبدو للمتابعين أن الإدارة المصرية تمتلك خيوط اللعبة وتتحكم فى الموقف وشدة التصريحات فيها!
مما لاشك فيه أننا نحتاج إلى تفسير سريع حول أسرار تلك الصفقة ورغم ثقتى فى نزاهة المجلس العسكرى وقدرته على إدارة الموقف وحرصه على الكرامة المصرية - بديهى أن أبناء القوات المسلحة أحرص الناس على ذلك – إلا أننا فيما يبدو نحتاج أن نفهم ما الذى يحدث، فربما تكون هذه الصفقة قصة أخرى فى إثبات قوة شخصية العسكرى أو ربما لا تكون هناك صفقة أصلا وأن الرسالة وصلت بشكل مباشر لإدارة أوباما وهو أنكم لا يمكنكم اللعب فى مصر دون أن نراكم وأنه غير مسموح لكم مستقبلا دفع أموال لمنظمات مصرية بالمخالفة للقانون ولا ننسى أن القضية مثلت فضيحة للسياسة الأمريكية.
والمهم هنا أن يتم إزالة ذلك الغموض بعد أن أجاد محطمو المعنويات فى هزّ ثقتنا بأنفسنا ومارسوا جلد الذات بشكل أحزننا وأشعرنا بالمهانة.
إن معركة الكرامة لا تساوى شيئا أمام معركة الخبز والصواب أن تقول إنه طالما أنك لا تمتلك طعامك، فاكتمال كرامتك محل شك وفى الوقت الذى يتهاوى الاقتصاد المصرى بشكل مقلق حتى بدا فى الأفق أننا فى طريقنا للدخول فى نفق مظلم حيث تعطل الإنتاج وتوقفت السياحة وتم تشريد آلاف العاملين بالسياحة وانتشرت ثقافة الإضرابات وقطع الطرق للاحتجاج وتعددت المطالبات الفئوية وانتشار ظواهر البلطجة ومحاولات كسر القلة الباقية من جهاز الشرطة وتصوير العسكرى على أنه عدو لنا والتشكيك فى القضاء ومع هذا المناخ يستحيل أن تحلم حتى برغيف خبز!.
والسؤال الذى نسأله لهؤلاء الوطنيين الجهابذة ماذا فعلوا لخدمة الوطن؟.
ماذا أضافت منظمات المجتمع المدنى والجمعيات الحقوقية لخدمة مصر وتنميته فى أعقاب ثورة عظيمة؟هل ساعدونا على توعية الناس؟هل ساعدونا على دفع عملة الإنتاج للأمام أم أغلقوا الطرق وفرشوا الخيام فى الميادين وأعاقوا المرور وأغلقوا المحلات ودفعوا بالبلاد دفعا للتصادم والخلاف والتخوين؟!
كانت الأقلام فى أيديهم تكتب رصاصا فى جسد الوطن وهم يشككون فى كل خطوة تقودنا للأمام ويبدو أن الانتصار الساحق للحركات الإسلامية قد أفقدهم الصواب بعد أن عرفوا حجمهم عندما يفكر المواطن قبل أن يختار من يثق فيهم، وبدلا من أن يحضوا الناس على العمل وتأجيل مطالبهم الشخصية لحين نهضة الوطن راحوا بمزيد من التعقيد الدعوة للمليونيات، والإضرابات ونشر الفوضى فى المجتمع بالتشكيك الدائم فى الرموز الوطنية والمؤسسات.
وكان من الأفضل أن يعرّفوا الناس صعوبة المرحلة الانتقالية وتقديم روح إيجابية للناس حتى يعملوا ويوفروا المناخ الهادئ لعبورنا تلك المرحلة بأقل خسائر ممكنة بدلا من مقالاتهم النارية فى سقوط العسكر وسبّه وهتافات غير موفقة فى أعقاب جمع مباركة.
إن معركة الكرامة لا يمكن التوفيق فيها بدون النجاح فى معركة الخبز، فهى التحدى الحقيقى للوطن وهو الاختبار الذى بدونه يصبح الأمل فى المستقبل ضعيفا والخبز يعنى العمل فالضمان الحقيقى لتحقيق أهداف ثورتنا لن يتحقق إلا بشيئين هامين لا ثالث لهما، الإيمان والعمل.
المجلس العسكرى - صورة أرشيفية