أحيانا تستهوينى «الشيطنة» الطفولية فألهو بها فى عالم السياسة حين يكون المشهد عبثيا لا يصلح فيه أى كلام عقلانى، وما يحدث فى مصر الآن هو منتهى العبثية، أو بمعنى أصح هو «أعراض مباشرة» لغزوة الصناديق، حسب وصف واحد من السلفيين لنتيجة التصويت على التعديلات الدستورية، وحين جاءتنى الشيطنة «والعياذ بالله من الشيطان الرجيم»، جلست أتأمل كلمات النائب يونس مخيون فى الجمعية التأسيسة للدستور مع أول اجتماعاتها، وقد قال: «ليس هناك أحد أجدر بالتعبير عن الأمة إلا من انتخبهم الشعب بإرادة حرة، لأنهم أعلم الناس بما يريد الناس»، ثم وضعتها مع كلمات الدكتور سليمان صالح معلقا على المنسحبين من الجمعية: «نرفض ديكتاتورية الأقلية وفرض اتجاه سياسى معين على الشعب المصرى، والحديث عن الكفاءة إهانة للنواب»، وراحت الفقرتان تتراقصان أمام عينى محاولا اكتشاف «التوافق» بينهما، فوجدت فيهما «فهما مشتركا خاصا» لمعنى الأغلبية.
النائب يونس مخيون هو طبيب أسنان حاصل على ليسانس شريعة، وقد تكون هذه أول مرة فى حياته يمارس عملا سياسيا عاما، وهو يظن أن «السياسة هى ما يريده الناس»، وفى الحقيقة «السياسة هى ما يفيد الناس»، فالناس على سبيل المثال تريد زيادة مرتباتها %200، وقد خرجت المطالب الفئوية من كل مهنة ومؤسسة ووزارة فى مصر رافعة هذه المطالب بإلحاح، بل لجأ بعضها إلى الاعتصامات والإضرابات.. فكيف للنائب المحترم أن يحقق هنا ما يريده الناس؟
وإذا كان ما يريده الناس يتعارض فعلا مع «مصالحهم».. فأين يقف سيادة النائب المحترم؟
فزيادة المرتبات لقطاعات كثيرة من المجتمع دون طفرة فى الإنتاج والعمل والتصدير هو نوع من الانتحار البطىء، لأن الزيادة فى هذه الحالة إما أن تأتى من قروض أو من طبع بنكنوت أو من تحويلات فى الميزانية من مشروعات أو استثمارات إلى بند الأجور.. والحلول الثلاثة مصائب كبرى ترهن مستقبل المجتمع أو تدهسه بقطار التضخم السريع أو تبطئ من نموه الاقتصادى.. باختصار ما يريده الناس قد يتعارض مع مصالحهم، لأن فى عالم السياسة تتخذ القرارات من زاوية أوسع بكثير من مطالب فئة أو جماعة، والسياسة الصحيحة هى صناعة نقطة توازن بين مصالح متضاربة لفئات وطبقات المجتمع!
والأهم يا دكتور مخيون وجودكم فى البرلمان، ليس المقصود به التعبير عن الناس، فالناس تعبر عن نفسها فى المجالس المحلية، فى الصحافة والفضائيات والإنترنت وجميع وسائل الإعلام، وأيضا الناس ليست مقطوعة اللسان لتختار نوابا تتكلم بالنيابة عنهم، فى زمن أكثر الأدوات شيوعا وانتشارا هى أدوات الاتصال، نواب البرلمان هم أداة الوطن فى التشريع والرقابة، أداة تضع «مصالح» المجموع قبل مصالح الجماعة!
أما الدكتور سليمان صالح، أستاذ صحافة، فهو غاضب من النقد الموجه إلى اللجنة التأسيسية للدستور بأنها تفتقد بعض الكفاءة، ويصنف هذا النقد فى خانة «إهانة النواب»، ولى سؤال ساذج للدكتور سليمان: هل عملت بحثا عن الأعضاء المختارين فى الجمعية من حيث الوظائف والخبرات؟ أتصور أنك لو قمت بهذه الدراسة ربما تضيف إلى عبارتك الغاضبة كلمات جديدة.. فهل تعلم مثلا يا دكتور سليمان أن عدد الأطباء والصيادلة فى الجمعية يفوق عدد الخبراء الدستوريين.. أما وجود أكثر من عشرة محامين فلا يعنى، على الإطلاق، أنهم خبراء فى الدستور، وأؤكد لك أن اللجنة التأسيسية تنقصها كفاءات عظيمة.. ولا تغضب، فعضوية البرلمان لا تعنى مطلقا «كمال العلم السياسى».. إذن ماذا يربط بين عبارة الطبيب يونس مخيون، وهو سلفى، وعبارة الدكتور سليمان صالح، وهو من الإخوان؟! إنهما من تيار يفهم كلمة «الأغلبية» بأنها توكيل «ملكية» وليس توكيل «إدارة».. وهذا سبب أزمة لجنة الدستور!