د. حسين القاضى

حد الحرابة بفقد شروطه تشويه للشريعة

السبت، 24 مارس 2012 10:39 م


تقدم النائب السلفى، عادل العزازى، بمشروع قانون تطبيق "حد الحرابة"، وهو قتل السارق أو قطع يده من الخلف أو الصلب حسب ما هو مفصل فى مواد المشروع.

وأثار نشر المواد فى "اليوم السابع" ردود أفعال رأت فيه تبشيرا بانتصار الدين، وظهرت دعوات تدعو إلى سرعة تطبيقه، وهنا نقول: إن الله ـ سبحانه ـ أنزل شرعا معصوما لصلاح الدين والدنيا، وأننا نؤمن جازمين بأهمية النظام العقابى فى الإسلام لردع المجرم، وأيضا فإن أى تطبيق للحدود إن لم يكن مستوفيا للشروط مزيلا للمشكل والملتبس فإنه إهانة للشريعة وتشويه لها، فهل استوفى المشروع الشروط ؟ لبيان ذلك فإنى أسجل أسئلة بمثابة شبهات توقف الحد غابت على النائب ومن جامله من بعض الأزهريين.

1ــ العقاب فى الإسلام يكون على (الجريمة) بمنعها، وعلى (المجرم) بردعه، أما المجرم فمعروف وقد تفضل النائب بوضع العقاب المناسب له، وأما الجريمة التى هى سبب إجرامه وهى هنا الفقر والبطالة والمرض والجهل والغلاء فسكت النائب عنها، والأصل الشرعى غلق منافذ الجريمة بإزالة أسبابها قبل ردع المجرم، وإلا كان المجرم مغلوبا على أمره وكان صاحب شبهة تسقط عنه الحد.

2ــ جاء فى المادة الأولى أن تطبيق الحد على من يقومون بإفساد الممتلكات العامة، فهل يدخل فيه إفساد السكك الحديدية والطرق بقطعها من أجل أنبوبة بوتاجاز، ورد فعل الشباب أمام الداخلية بعد أحداث بورسعيد؟ النائب يتحدث عن صلب وقطع أيد وأرجل بكلام مطاط ومشكل وملتبس.

3ــ ما مفهوم ما جاء فى المشروع من حق الشرطة فى استخدام القوة حتى لو أدى ذلك إلى إطلاق النار على الخارجين أو قتلهم، وما الضوابط التى وضعها حتى لا تطلق الشرطة يدها على الأبرياء.

4ــ جاء أن العقوبات مشروطة بثبوت التهمة، فمن الجهة التى تقوم بثوبتها؟ وما نفعل فيما قاله الفقهاء من أن الشهود المعتبرين ( شرعا لإثبات الحد) فقدوا من زمن بعيد
5ــ أيهما يقدم.. تفعيل هذا القانون أم توفير سبل الحياة الكريمة وكافة متطلبات الحياة؟ وهل يقدم المقترح فى وقت يعترف فيه المجلس بفشله وعجزه فى حل أزمة الأنبوبة ورغيف الخبز وتلوث الماء؟ أخشى أن تطبيق الحد مع حالة الفقر لا تجعل المجرم يتعظ كما يقولون، لكن يجعله يفعل جريمته فى حرص وتخف طالما غابت التربية وافتقد الضمير، ولماذا تُرك العمل بسنة الفاروق عمر هنا.

6ــ أيهما يقدم تشريع قانون للعدالة الاجتماعية أم لإقامة الحدود؟ وكيف يقوم بإقرار حد من حدود الله شخص يساوى راتبه 100 ضعف الحد الأدنى للأجور؟
7ــ أليس تطبيق "الصلب" فيه إهانة للمسيحيين فيما يعتقدون، لأن الصلب عندهم رمز للتقديس، فكيف يكون إذلالا؟ إن هذا ربما يزيد الانشقاق والطائفية، ويحدث ما لا تحمد عقباه، فكيف أجاب مقدم المشروع عن هذه الشبهة أم أنه لم يلتفت إليها كمثلها من الأسئلة السابقة؟

8ــ كيف يترك للشرطة تقديم الأدلة وجمعها من مكان الواقعة قبل تطهيرها، حتى لا يصبح المشروع سيفا فى يد الشرطة تطبقه على من تشاء، خصوصا أن جهاز الشرطة اعتاد تلفيق القضايا، فماذا لو لفق قضية إلى أحد المواطنين وقطعت يده وهو برىء، وكيف عالج القانون الأثر النفسى لعائلته فى هذه الحالة، خصوصا أن الناس يسبونه مدى الحياة بهذا
9ــ فى مشكلات الثأر اليومية.. ماذا يفعل مع من قتل شخصا انتقاما لثأر قديم، وأهل المقتول يرون القاتل أمامهم ليل نهار؟ فهل يطبق بأثر رجعى على القاتل الأول أم يطبقه على القاتل الجديد؟.

10ــ القول بأن الحد يخاف منه كل الحرامية قول غير دقيق، بل يخاف منه الحرامى (العاطل أو الفقير) فقط، وأما الحيتان الكبار فلا، لوجود شبهة صعوبة"الإثبات" وبالتالى سقوط الحد، فكيف نقطع يد من سرق كمبيوتر بالجنيهات ولا نقطع يد من سرق أرضا بالملايين فى بالم هلز أو التجمع الخامس؟ ولماذا لم يضف عبارة:(وكذلك الذين يستولون أو يسهلون أو يسكتون على الاستيلاء على الممتلكات العامة)

كل هذه الشبهات وغيرها تجعلنا نقرر حقيقة مهمة، وهى أن الحدود ـ كما فى الحديث ـ تدرأ بالشبهات، والشبهات كما تكون للأفراد تكون للعصر كله، فالعصر الآن عصر شبهة أو ضرورة، وهذه الأوصاف للعصر تؤثر فى الحكم الشرعي، حتى لو عمت واستمرت، والشبهة تجيز إيقاف الحد كما فعل سيدنا عمر، ولذا فعلماء الحنفية وغيرهم أسقطوا حرمة النظر إلى النساء فى بلاد ما وراء النهر، لأن غض البصر فيها متعذر، والدول الإسلامية وعددها 196 سكتت فى قوانينها عن قضية الحدود لوجود الشبهة العامة، باستثناء حالات تراجعت لوجود العوار والشبهات فيما عدا الجرائم التى تستحق الإعدام ، والسعودية فيها كلام كثير ليس هنا مجاله.

والخلاصة أن عصرنا (عصر شبهة) وبالتالى يمنع تماما تطبيق الحدود، وإن طبقت فلن تكون انتصارا للدين بقدر ما تكون إنتكاسة له طالما المشكل والشبهات قائمة.
* دكتوراة فى الحركات الإسلامية


أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة