لن أكون متجنياً على وزير الخارجية الحالى، محمد كامل عمرو، الذى أعتبره شخصاً دمث الخلق، وهادئ الطباع، عندما أقول إن مصر تعيش، منذ عدة أشهر، فى حالة من التيه فى الرؤى، أفقدتها بوصلة القيادة فى الملفات الخارجية، استتبعها تراجع، بل القضاء على ما تبقى لمصر من أدوار فى هذه الملفات، والسبب فى ذلك يرجع، وفقاً لدبلوماسيين سابقين وحاليين، إلى أن الرؤية مختفية، والسياسات منعدمة، مدللين على ذلك بعدة أمثلة رأوا أنها كافية لدق ناقوس الخطر حول مكانة مصر الخارجية، فضلاً عن المطالبة بالبحث عن وزير للخارجية يعيد إلى مصر مكانتها، التى افتقدتها فى أعقاب انتقال الدكتور نبيل العربى من مبنى الوزارة فى ماسيبرو إلى منفى جامعة الدول العربية فى ميدان التحرير.
أحد هذه الأمثلة، التى يعتبرها كثيرون أنها دليل على افتقاد الوزير الحالى للرؤية الواضحة، تتعلق بالتعامل المصرى مع الثورة السورية، فمازالت مواقف مصر ملتبسة، ويظهر هذا الالتباس من خلال تصريحات الوزير أو البيانات الصادرة عن المتحدث باسمه، التى تكشف أننا نحاول إمساك العصا من المنتصف، وهو ما أساء كثيراً لمصر الثورة التى انتظر الكثيرون منها أن تكون أول المقدمين على اتخاذ قرارات وخطوات تصب فى صالح الشعب السورى المقهور على أمره، لا أن نكون تابعين فى قراراتنا لدول أخرى، والمثال الذى يساق الآن داخل أروقة وزارة الخارجية، ودعا بعض الدبلوماسيين لإبداء الدهشة مما يحدث فى الوزارة، أنه فى مساء السبت الموافق 18 فبراير حل وزير الخارجية ضيفاً على برنامج "مصر الجديدة"، مع المذيع معتز الدمرداش، وحينما سأله معتز لماذا لا تقرر مصر سحب سفيرها من دمشق، رداً على مجازر الأسد ضد شعبه، رد الوزير بقوله، إن وجود السفير فى دمشق أمر ضرورى لأسباب عدة، ثم نفاجأ صباح اليوم التالى ببيان صادر عن الخارجية بسحب السفير المصرى من سوريا، وهو البيان الذى جاء متناقضاً تماماً مع تصريحات الوزير فى المساء، وهو ما طرح تساؤلاً وقتها عن الجهة التى أصدرت القرار، هل هى الخارجية أم أن جهة أخرى فى الدولة هى التى طلبت من الوزارة سحب السفير الذى كان متواجداً فى الأساس بالقاهرة فى إجازة طويلة.
عدم وضوح الرؤية والسياسة فى الخارجية لم يعد قاصراً على الثورة السورية فقط، وإنما امتد لعدة ملفات تدخل فى صميم عمل الخارجية، ومنها ملف حوض النيل الذى لم نرَ منذ فترة دوراً فاعلاً من الخارجية فيه، وترك الأمر لوزارة الرى التى أصبحت تفاوض بمفردها دول الحوض، كما أنه امتد إلى قضية منظمات المجتمع المدنى التى اطلعت بها بمفردها وزيرة التعاون الدولى السفيرة فايزة أبو النجا، ورغم أن هذه القضية عليها خلاف كبير بين مؤيد معارض لها، إلا أن وزارة الخارجية لم يكن لها أى دور فيها، سواء بالرفض أو القبول، إلى الدرجة التى جعلت المسئولين الأمريكيين أنفسهم يولون وجهتهم إلى المجلس العسكرى وأبو النجا، متجاهلين الخارجية، حتى عندما خرجت وزيرة الخارجية الأمريكية، هيلارى كلينتون، لتعلن مؤخراً أن هناك مفاوضات جارية مع المسئولين المصريين لحل القضية سياسياً، وهو ما تم بالفعل من خلال إلغاء قرار منع المتهمين الأمريكيين الـ19 من السفر، كان رد الخارجية أن هذا الموضوع فى يد القضاء ولا علاقة لها به، وهو قول مغلوط، لأن الخارجية الأمريكية لم تقم بإجراء مباحثاتها مع القضاء المصرى، وإنما مع مسئولين سياسيين مصريين، فأين كانت الخارجية من هذه المفاوضات؟!.
الأكثر من كل ذلك أن الفترة الماضية شهدت نشاطاً دبلوماسياً ملحوظاً للسياسة الخارجية لدولة قطر، على حساب مصر، وظهر ذلك من خلال اطلاعها بدور ملحوظ فى ملف المصالحة الفلسطينية، ولا يغير من هذا الوضع قول البعض إن هذا الملف هو مسئولية المخابرات المصرية، لأنه إذا كانت المخابرات الضلع الأساسى فى الملف الفلسطينى، إلا أن الخارجية كان لها دور أصيل أيضاً فى الملف، لكن للأسف الشديد مرّ الأمر مرور الكرام أمام مسئولى الخارجية وكأن الأمر لا يعنيهم.
أمثلة كثيرة جعلت المتابعين للسياسة الخارجية المصرية فى حيرة من أمرهم، فهل لدى مصر بالفعل وزارة للخارجية، أم أن الوزارة تحولت إلى مبنى منزوع الصلاحيات والملفات؟.