حين اهتمت سينما السبعينيات لظروف نكسة 67 بطرح كل ما هو قذر من جنس ومخدرات وعنف واستهبال واضمحلال ثقافى وإفلاس فكرى بحثاً عن زبون أدمن هذه النوعية من الأفلام ذات المناظر دون القصة فقد أسميناها (سينما المقاولات) !! أما الآن فليس لنا إلا أن نُسمى إعلامنا بصوره الثلاث المرئية، والمكتوبة، والمسموعة بـ(إعلام المقاولات) حيث يعمل ودون توقف ودون تمحيص ودَرْس، وفقاً للمقولة الملعونة الجمهور عايز كده!!
وانظر معى إلى (إعلاميى الآن) وبرامجهم، وعلى صفحات الصُحف الإلكترونية، فلا تجد منهم إلا المزايدة بملف شهداء الثورة ومُصابيها وتعويضاتهم وحقوقهم دون التعرض للأسباب الحقيقية وراء القتل أو وراء الإصابة ودون التعرض لمسألة العلاقة السببية بين المتظاهرين والمعتصمين وبينها، ودون التعرض بتسليط الضوء على تصريحات الحكومة فى هذا الشأن، والتى أعلنت فيه مراراً وتكراراً بحصول 95% أو يزيد من أسر الشهداء والمُصابين على حقوقهم المادية، وأن الباقين مؤجلون لموانع وإجراءات إدارية بحتة ستزول قريباً، خاصة بعد تخصيص دوائر خاصة بالمحاكم، وأقسام خاصة بالوزارات لتنفيذ كل مايلزم!! وأن حقوقهم القانونية المتعلقة بالقصاص فى أيدى القضاء، وأن الدولة التى تثور بحثاً عن الديمقراطية، لابد أن يسود فيها القانون، ولابد أن تُحترم فيها أحكامه!!
وأسمع معى الحوارات الطويلة والمتكررة إلى حد الملل عن قتلى ومُصابى أحداث العنف بين المتظاهرين وهيبة الدولة بداية من أحداث مسرح البالون إلى ما تشهده مصر الآن وهى (باكية) على مسرح شوارع محمد محمود ونوبار ومنصور بمحيط وزارة الداخلية من أحداث لاحقة لأعمال العنف فى استاد بورسعيد، دون الحديث عن الأسباب الحقيقية وراءها، ودون التعرض للسبب الذى أراه رئيساً وأساساً لهذه الأحداث، وهو الخطأ الكبير الذى ارتكبه ألتراس الأهلى فى مواجهة جماهير المصرى بإهانتهم فى رجولتهم وفى طبيعة أعمالهم، عبر لافتات شاهدنا وقرأنا منها لافتة، وغابت عن عيوننا لافتة أخرى!!
وانظر معى واستمع إلى حوارات البرامج والمانشتيات والمقالات المختلفة حول تباطؤ المجلس العسكرى فى تسليم السلطة، وكأنه تباطؤ فعلاً دون إلقاء الضوء وتسليطه على أسباب تباطئه الحقيقية والتى تصُب كثيراً فى مصلحة القوى الثورية المختلفة والتى طالبته وألحت عليه مراراً بتأجيل الانتخابات البرلمانية حتى تستعد لها، استعداداً يليق بها لحداثة عهدها بشارع الناخبين!! فلماذا لا يُسلط الإعلام والإعلاميين الضوء على هذه المسألة ويسلطونه على التباطؤ – مُجرداً – وكأنه حقيقة ثابتة تبحث عن مُدبرها الخفى ونواياه السيئة ؟!
أفهم أن يهتم ( إعلام الآن ) بعرض جميع الملفات الأمنية والاقتصادية والسياسية بحرية كاملة فى النشر وتبادل الآراء، ولكنى لا أتفهم لماذا يتقرب من ملفات بعينها تُثير الفتنة والفُرقة والانقسام وتسىء الفهم، وتملأ الأجواء غموضاً دون التقرب– مثلاً- إلى ملف البطالة الذى استوحش فينا وبيننا، أو ملف الفقر المُدقع الذى بدأ يلاحق معظم المصريين الذين ينفقون منذ أحداث يناير وحتى الآن من– دم الحى– إذا جاز التعبير، وهاهو قد قارب على النفاد!!
أفهم أن يهتم (إعلام الآن) بنشر ثقافة ضرورة انتظار تحقيقات النيابة فى الجرائم المختلفة حتى تتضح الصورة كاملة، ويُتهم من يُتهم، ويُحاكم من يُحاكم، ويُدان من يُدان، ويُبرأ من يُبرأ!!
ولكنى لا أتفهم لماذا ولمصلحة من نشر الأكاذيب والشائعات والاتهامات فى جريمة ما، حول أشخاص أو جماعة بعينها دون انتظار نتائج تحقيقات النيابة أو انتظار نتائج لجان تقصى الحقائق التى قررها مجلس الشعب المنتخب بغالبية من المصريين؟!
وللأسف الشديد- فإن كل ذلك يتم سواء فى الجرائد الخاصة أو القومية، أو حتى فى برامج التلفاز التى تهتم بُحسن وجه المذيعة، ومكياجها وتسريحة شعرها، ولون بلوزتها وملابسها الشفافة أو الضيقة وقدها المياس، كما تهتم بلون وموضة كرافتة المُذيع وجاكت بدلته أو تى شيرته، أكثر من اهتمامها بمضمون جيد يقدمه البرنامج لمتلقى خدمة إعلامية ينتظر عائداً يجب أن يسود!
وأخيراً، فما علينا الآن إلا أن نتساءل: إذا كانت ظاهرة سينما المقاولات قد ماتت وانتهت، فمتى تنتهى وتموت ظاهرة إعلام المقاولات؟!
أما العجب كل العجب.. فهو أن نرى ونسمع من غالبية (معشر الإعلاميين) مُر الشكوى على هذا الحال!!
فإذا كانوا هُم كذلك، فما بالنا نحن (الرأى العام)..
ويا هل ترى من بيده الحل؟!
أكاد أُُجزم بأن المشكلة كانت وما زالت فى الإعلام، وأن الحل لن يكون إلا فى الإعلام..
والله الموفق ......
صورة أرشيفية