تقف الكلمات عاجزة عن توصيف ورصد ما يحدث فى مصر الآن، تعجز العقول عن استيعاب فكرة التعامل بالدم، واستسهال دم المصريين إلى هذه الدرجة، جميعنا بكينا على أرواح 73 مصرياً ذهبت هكذا فى غمضة عين، شباب فى عمر الورد استحل دماءهم مجموعة من سفاكى الدماء، من يعتبرون أن القتل بدم بارد هو الحل لكل أزماتهم، هو ما سيبقيهم ملتصقين فى الكراسى لآخر العمر، دون أن يتعلموا الدرس أو يحاولوا حتى التفكير، فيما حدث لغيرهم لا يأخذون العبر من التاريخ الحديث وليس الماضى البعيد، الكل من أصحاب السلطة ومن فازوا بالتورتة.. يرقصون على جثث الشهداء، يستمدون قوتهم من حصد المزيد من الأرواح.
صار الخوف والألم علامة مميزة لوجوه المصريين، والتى كانت قبل ذلك وجوها واجمة اليوم بات الخوف وعدم الشعور بالأمان والرعب من كل ما هو قادم علامات ترتسم على وجوه عدد كبير من المصريين، صار كل لسان يردد "ربنا يستر من اللى جاى"، أول أمس الخميس، كان ليل القاهرة فى أغلب الشوارع هادئاً، معظم الناس يجلسون فى منازلهم يتسامرون أمام المحطات التليفزيونية، يتنقلون من قناة إلى أخرى، لعلهم يفهمون شيئاً، جميعهم يحاول أن يفهم أو يعقل ما يحدث.
ليل الخميس كان يشعر الكثيرون بالغربة _ جميعا يعرف أن الخميس هو من الأيام شديدة الازدحام فى القاهرة، تكون الشوارع ممتلئة وجموع من البشر يجرون هنا وهناك _ إلا أن الخميس الثانى من فبراير كان مؤلماً بحق، فالقاهرة كانت تبدو خاوية من أهلها والذين غلبهم الخوف وعدم الإحساس بالأمان، ويبدو أن هذا المشهد أراح السلطان ومن يجاوروه من حاشيته، ولكن السلطان، والذى استقر خاطره بمجرد رؤية أغلب الشوارع خاوية، فاته أو تعمد ألا يرى مشهدا آخر مغايرا فى ميدان التحرير وفى محيط وزارة الداخلية، شباب أشعلوا الميدان هتافاً وحماساً، وليس حقيقياً بالمرة ما يردده البعض: أيه علاقة الألتراس وبتوع الرياضة بالسياسية؟ وهو سؤال يبدو شديد السذاجة، فهم شباب يملكون الكثير من الوعى، يعرفون جيداً قضية بلدهم، يفهمون أبعاد ما يحدث، ويملكون من الحماس والشجاعة أكثر منكم، هم يلعبون على المكشوف وأوراقهم شديدة الوضوح، فى حين أن الحكام، والذين أصابهم التصاق بالكراسى، وداعميهم الفائزين بالجزء الأكبر من التورتة، يلعبون معهم بطريقة قذرة وطرق ملتوية، ويراهنون على نفاد صبرهم وتشرذمهم، ولكن فى هذه المرة عليكم أن تخافوا هؤلاء الشباب فهم ملح الأرض ووقودها.
هذه المرة لن تكون مثل سابقتها، فالشباب أو "شوية العيال"، كما تطلقون عليهم فى مجالسكم الخاصة، لم يعودوا يخافون الدم، بل ينتظرونه.. وهذا ما رأيته فى عيونهم.