محمد حمدى

استنساخ ثروت عكاشة

الثلاثاء، 28 فبراير 2012 10:03 م


فى عام 1986، وأنا فى الصف الأول الابتدائى بمدرسة الوعى القومى الابتدائية بالمحلة الكبرى، أخذتنا مدرسة الفصل إلى قصر ثقافة المدينة، فى أول رحلة دراسية لى، ولزملائى فى الفصل، علمتنا أن لدينا مكانا تتوافر فيه مكتبة، ومكانا لتعليم العزف على الآلات الموسيقية المختلفة، وفرقة للغناء، وفرقة مسرحية، وفرقة فنون شعبية.

وأتذكر جيدا أنه فى حديقة فى الشارع البحر فى ذلك التوقيت وبعده، كانت توضع شاشة سينما، وتقام عروض سينمائية فى الحدائق العامة، فى المحلة، وغيرها من المدن والقرى كنا نذهب إليها، نشاهد بعض الأفلام السينمائية، وجريدة مصر الناطقة، والعديد من الأفلام التسجيلية.
فى طفولتى المبكرة كان هذا أهم حدث فى حياتى، وضعنى مباشرة على مقربة وتفاعل مع الثقافة، بدرجات متفاوتة، وتعلمت منه القراءة ومشاهدة الفنون المختلفة والاستمتاع بها، وأظن أن هذه التجربة شكلت جانبا مهما من شخصيتى حتى الآن.

بعد سنوات وحينما كبرت علمت أن شخصا يدعى ثروت عكاشة كان من الضباط الأحرار أوكل إليه الرئيس الراحل جمال عبد الناصر مهمة وزارة الثقافة، وفى اعتقادى أن أهم إنجازات ثروت عكاشة الذى رحل عن دنيانا الاثنين الماضى، كان إنشاء الثقافة الجماهيرية، التى قامت فلسفتها على أن تذهب الثقافة إلى كل مواطن فى بر مصر وأينما كان.

انتشرت قصور الثقافة فى ربوع مصر، وتحولت إلى شعلة ثقافية، ينهل منها الجميع فى مختلف المراحل العمرية، ومن خلال قصور الثقافة ظهر ونبغ الكثير من الشعراء والأدباء الذين أثروا الحياة الثقافية فى مصر فى ستينيات وسبعينيات وثمانينيات القرن الماضى.. حتى ماتت هذه القصور وتعرضت إلى الإهمال وتراجعت قيمة الثقافة فى هذا الوطن.

أحد أبرز وأكبر مشاكل مصر فى عهد الرئيسين السابقين أنور السادات وحسنى مبارك إهمال التعليم والثقافة، فلم تعد المدارس الحكومية، كما كانت مدرستى الوعى القومى، تهتم بالتعليم، وتربط التلاميذ بالمجتمع وبالثقافة، ولم تعد قصور الثقافة، كما كان قصر ثقافة المحلة، شعلة ثقافية تنير المدينة وما حولها.

تعامل الرئيس السابق حسنى مبارك، ومن معه، مع التعليم والثقافة بمنطق الكم لا الكيف، وأصبح حديث المسئولين الدائم عن زيادة عدد المدارس وقصور الثقافة ومراكز الشباب، لكن أحدا لم يهتم بنوعية الخدمة التى تقدمها مثل هذه المؤسسات التعليمية والثقافية والرياضية، ما أدى فى النهاية إلى استشراء الجهل، وأمية المتعلمين.
وإذا كنا جادين فى إعادة بناء مصر الجديدة، فإننا بحاجة إلى استنساخ تجربة الراحل ثروت عكاشة، وإعادة إحياء قصور الثقافة، إضافة إلى تطوير التعليم، وجعله تعليما حقيقيا، يهتم بالإنسان، أكثر ما يهتم بمقدار المواد والمعلومات التى يحفظها الدارسون.. وفى نفس الوقت إعادة مراكز الشباب للعمل الجاد وتحويلها إلى مراكز ثقافية ورياضية لبناء الإنسان المصرى فى كل ربوع الوطن.


أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة