سؤال خبيث لاح فى بالى مثل سحابة سوداء فى خريف القاهرة: ماذا يشغل عقل القاهرة بعد عام من الثورة؟..طبعًا من الصعب أن يجد المرء جهازًا يفتش به فى عقول الناس عما يدور فيها من أفكار واهتمامات، أو يجرى استطلاعًا للرأى قد يأخذ شهورًا قبل أن يعثر على الإجابة، وقلت فى نفسى: لم لا أختصر الطريق وأبحث عن المراد فى صحافة القاهرة، فلا قدرة لى على تحمل الفضائيات نهارًا إلى جانب الليل، فهذه جرعة لا يستطيع «دماغى» أن يهضمها، لا دفعة واحدة ولا بالتدريج!
بالقطع الخبر الأول هو عن موعد النطق بالحكم فى قضية قتل المتظاهرين المتهم فيها الرئيس السابق حسنى مبارك، وكانت العناوين كلها تنويعات من النغم على الموعد بين ما هو تقليدى للغاية أو عصرى جدّا، لكن جريدة وحيدة قفزت فوق كل الألحان وحددت «نوع الحكم»، وهو أن مبارك فى طريقه فعلاً إلى المشنقة، ولا أعرف هل هو استنتاج من الجريدة حسب «القرائن والأدلة القاطعة» التى بداخل الملفات أم شىء آخر أم هى محاولة ضغط وتهيئة لدفع القاضى للمضى قدمًا فى هذا المسار؟.. قطعًا أى إجابة محفوفة بالمخاطر، والأفضل أن أجرب دربًا بعيدًا وأسأل سؤالاً بريئًا: هل يجوز أصلاً الاستنتاج فى الأحكام القضائية التى لم تصدر بعد؟
ورحلت عن خبر الرئيس السابق إلى خبر «محاكمة» أخرى لا تقل صخبًا عن نائب البرلمان زياد العليمى وسبه للمشير بألفاظ لا تليق، ووجدت أن خطأ إداريّا يؤجل تحقيق مجلس الشعب مع العليمى، ولم أعرف الأهمية مادام النائب قال: الاعتذار متفق عليه مع جميع التيارات، وصيغته مكتوبة بخط يد رئيس المجلس ووكيله!
المهم كل الأخبار من هذه النوعية تقريبًا: طلعت مصطفى يعترف بتحويل 3,5 مليون دولار عمولة لوزير الإسكان الأسبق إبراهيم سليمان، الإخوان يبحثون عن مرشح رئاسة ليدعموه، المادة 28 من الإعلان الدستورى تضمن نزاهة الانتخاباب.. وهكذا!
لكن كله كوم وخبر لحية ضباط الشرطة كوم آخر..فالأزمة تجاوز الأخذ والرد واللوائح والقوانين إلى دار الإفتاء مباشرة، لم تعد مصر دولة قانون وإنما دولة إفتاء، ونحمد الله ونشكر فضله على أن دار الإفتاء انحازت إلى القانون وطلبت من ضباط الداخلية والعاملين فيها بالالتزام بالتعليمات والقواعد المنظمة للعمل والعرف العام السائد داخل مؤسسات الدولة.. فلو حدث وأفتت بوجوب اللحية فماذا كان يمكن أن يحدث للدولة المصرية؟ هل تظل دولة أو تعود إلى سيرتها الأولى، مجرد جماعات إنسانية تعيش معًا، كل جماعة بقانونها الخاص وفهمها المحدود للدين وليذهب الوطن إلى الجحيم؟
وبالمناسبة هذه الفتوى لم تعجب لا النقيب محمد السيد بقوات أمن الشرقية، ولا النقيب محمد جابر بقطاع الأمن المركزى فى مدينة بلبيس، وهما اللذان أطلقا لحيتيهما، وأصرا عليهما.. لا يهم القانون ولا يهم الانفلات الأمنى.. ولله فى خلقه شؤون. وهنا سألت نفسى سؤالاً أكثر خبثًا: هل هذا مجتمع فى ثورة؟! وأى نوع من الثورات هى؟!أين الناس ومعيشتهم ومعاناتهم وحيواتهم فى تلك الأخبار والحكايات؟!هل ثمة فارق بين الأخبار التى كانت تنشر قبل 25 يناير فى العام الماضى وبعد 25 يناير هذا العام؟..أم أن هذه الأخبار لا تمس جوهر ما يحدث فى مصر ويشغل عقول أهلها؟
يخيل لى والله أعلم أنه لا شىء حقيقى تغير فى مصر، «شالوا ألدو جابو شاهين، شاهين قال مانتوش لاعبين»، أقصد شالوا رئيسًا وبرلمانًا وحكومة وبضعة وجوه واستبدلوا بها مجلسًا وبرلمانًا وحكومة ووجوهًا جديدة من الزمن القديم.. ودمتم.
هل هذه مصر التى نريد؟!