معظمنا حينما كان يذكر أمامه اسم "بورسعيد" لا يتذكر إلا جملة مفيدة واحدة " بورسعيد .. المدينة الباسلة" ، ذلك الوصف الذى التصق بالمدينة وأهلها بعد مقاومتهم الشجاعة لقوى العدوان الثلاثى الغاشم، وقفت بورسعيد تقاوم، حتى أصبحت قبلة المقاومين من ربوع مصر .. أما الآن، وبسبب مباراة فى كرة القدم، تحولت بورسعيد إلى مدينة للحزن، والانتقام، والحصار والجوع .. الحزن على حال شبابها من موتورى كرة القدم الذين أعماهم التعصب وغرتهم قواهم، واندفعوا فى همجية واضحة يضربون ويقتلون شبابا فى مثل أعمارهم وربما أقل ليصنعوا أكبر مذبحة فى تاريخ كرة القدم.. لم يعد نسب ما حدث للبلطجية فقط مقبولا بعد أن أكد تقرير لجنة تقصى الحقائق التابعة لمجلس الشعب أن شباب الالتراس البورسعيدى ضالعون فى الجريمة.. والانتقام الذى سيطر فيما بعد على العديد من أهالى المحافظات المصرية التى امتنع تجارها عن إمداد بورسعيد بالسلع والمواد الاستهلاكية والتموينية طيلة الأيام الماضية، حتى إن المجلس العسكرى اضطر إلى إرسال طائرات عسكرية محملة بأطنان من المواد الغذائية إلى المحافظة المحاصرة، وكأنها مدينة منكوبة هاجمها السيل أو البراكين وأضحى أهلها جوعى فى الشوارع ينتظرون من يمد لهم يد المساعدات والمعونات، حتى إننى خشيت أن تفاجئنا دولة عربية أو أوربية بإرسال طائرات مساعدات غذائية للمدينة.. لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل تجاوزه إلى أن أصبح أهل المدينة أنفسهم يخشون الخروج منها، أعرف صديقا بورسعيديا يعمل مخرجا تليفزيونيا كان يشاهد المباراة فى استاد بورسعيد، ومنذ هذا الوقت لم يستطع العودة إلى عمله، لأن سيارته "ملاكى بورسعيد" تخيلوا أين وصلنا؟ ما هذا العبث والجنون الذى أصابنا جميعا حتى نحاصر أهل محافظة مصرية قدم أولادها دماءهم الطاهرة فداء لوطنهم، ونمنعهم من ممارسة أعمالهم، ونمنع عنهم الغذاء والدواء وكأنهم أعداؤنا فى حالة الحرب، والله حتى العدو فى الحرب، ينهانا ديننا عن أن نمنع عنه الدواء والغذاء.
حاول البعض أن يبحث عن مبررات بعضها تاريخى منذ أيام التهجير فى الستينيات حيث رفض النادى الأهلى استضافة النادى الإسماعيلى للتدريب فى ملاعبه، خوفا من غوغائية جماهيرهم، وفى المقابل، فتح الزمالك أبوابه للإسماعيلى، فتشكلت بينهما توأمة كروية قائمة إلى يومنا هذا، وتولدت الكراهية بين فريقى الأهلى والإسماعيلى ..وبعضها نفسى حيث يعرف عن جماهير خط القناة (السويس وإسماعيلية وبورسعيد) أنهم متحمسون، وأحيانا متعصبون بشكل زائد، بسبب ما يسمونه "السيكولوجية السواحلية لأهالى القناة"، وكونهم ثوارا بطبعهم، إذ يشكلون خط الدفاع الأول على الجبهة الشرقية فى الحروب..غير أن ما حدث يبقى أكبر من أية مبررات، فهو حدث مدبر ومبيت النية، ساهم فيه الأمن بتواطؤ ملحوظ، بعد أن تراخى عن تفتيش الجماهير، وترك أبواب الدخول إلى مدرج جماهير الأهلى مفتوحة، وسمح للمهاجمين بالدخول إليها بما يحملون من أسلحة، ولم يكلف خاطره المشاركة فى حماية المستضعفين، وكأنه رجال الأمن أبقوا على حياتهم، فى سبيل التضحية بحياة جماهير الأهلى، ولا تسأل هنا عمن يحمى من، أو من يفرض عليه واجبه ومهام وظيفته الدفاع عن من؟ وكأنهم ينتقم من ألتراس الأهلى على خلفية اشتباكات مشتركة بين الطرفين طوال الشهور الماضية.. كان يمكن لرجال الشرطة فى بورسعيد أن يسجلوا أسماءهم بحروف من نور، ويستعيدوا ثقة الشارع فى الجهاز الأمنى كله، إذا وقفوا يدافعون عن الضحايا، ولو استشهد بعضهم لكان الشرف أقوى وأعظم، والثقة أكبر وأنفع، لكنهم أضاعوا هذه الفرصة الذهبية، ووسعوا الفجوة بينهم، وبين الشارع، وهو فاقد الثقة فيهم من الأساس.
جانب من الشغب فى مذبحة بورسعيد