أثارنى جدا ما حدث أمام المحكمة الدستورية العليا تلك المحكمة العريقة الرائدة فى عالمنا العربى.. حامية الحقوق والحريات وإحدى أهم المحاكم العليا فى العالم من محاصرة لمقر المحكمة منذ ليل السبت الماضى ومنع قضاة المحكمة من الدخول وخشيتهم على حياتهم من المحاصرين لمقرها، مما أدى بهم إلى التأجيل الإدارى للجلسات، التى كان مقررا لها الانعقاد يوم الأحد الماضى وإلى أجل غير مسمى ثم علقت المحكمة أعمالها فيما بعد والواقع أننى كنت أتوقع ذلك، فى ضوء حالة مناصبة تيارات الإسلام السياسى العداء لها ولشخصيات مستشاريها واتهامهم والتعدى عليهم بالتلميح أحيانا وبالتصريح أحيانا أخرى.
وقد حدث ذلك رغم علم الكثير من قيادات تيار الإسلام السياسى أن الدعويين اللتين تنظرهما المحكمة مآلهما إلى عدم القبول فى ضوء رفعهما بشكل مباشر إلى المحكمة وليس بالطريق الذى رسمه القانون ولكن يبدو أن الكيد والانتقام من المحكمة وقضاتها قد راق لهذه التيارات ومحاولة القضاء على هذه المحكمة العريقة ليس هذا فحسب بل جاء مشروع مسودة الدستور الذى أعدته تيارات الإسلام السياسى- وهو لا يعبر مطلقا عن الشعب المصرى– ليكرس فكرة الانتقام من قضاة هذه المحكمة بأشخاصهم وليس بدافع وطنى أو تحقيقا للمصلحة العامة للوطن وتم صياغة تشكيل المحكمة من عدد أحد عشر عضوا فقط، وذلك حتى يتسنى خروج بعض قضاتها غير المرضى عنهم من قبل نظام الحكم الإخوانى، وذلك دون أدنى نظر لطبيعة المحكمة أو دوائرها أو استقلاليتها.
إن من أعجب ما رأينا من تيارات الإسلام السياسى وجماعة الإخوان المسلمين على وجه الخصوص هو موقفهم من القضاء وما يصدره من أحكام فإذا صدر حكم يوافق هواهم قالوا إن قضاء مصر نزيه وعادل وإذا صدر حكم لا يوافق هواهم قالوا إن قضاء مصر مسيس ويحتاج إلى التطهير فهذه الازدواجية تدل على مدى ما وصل إليه هؤلاء من خطوات فى مجال إسقاط دولة القانون وإسقاط الدولة بشكل مباشر، ولا أتصور أن الرئيس يبقى على مجلس كمجلس الشورى- هذا الذى هو عبارة عن مكلمة ولا يتمتع بأى صورة من الصور بأى صلاحيات وحتى أن مجلس الشورى فى مسودة الدستور المشؤمة يختلف فى الصلاحيات المقررة له عن مجلس الشورى الحالى – رغم أنه انتخب بنفس المواد القانونية، التى حكمت المحكمة الدستورية العليا– من قبل – بعدم دستوريتها وهو ما يستتبع كأثر مباشر حل هذا المجلس وليس تحصينه والإبقاء عليه، وأتصور أن الإبقاء على هذا المجلس يعود لتمتع تيارات الإسلام السياسى بأغلبية واضحة فيه لن تستطيع مطلقًا أن تحققها فى حالة إعادة الانتخابات وتستمر محاولات الاستحواذ على الدولة واحتكارها من جانب هذه التيارات مستمرة من خلال اللعب على وتر تدين المصريين، وذلك بالتلويح للمصريين بكفر التيارات الوطنية الأخرى من غير تيارات الإسلام السياسى، وكان أوضح مثال لذلك ظهور أحد قيادات الجماعة الإسلامية وتكفير معارضى الإعلان الدستورى ومسودة الدستور بل وطلب بعض هذه التيارات استتابة التيارات الوطنية للعودة إلى صوابها وإلى دينها وأعتقد أن مفهوم الديمقراطية لدى تيارات الإسلام السياسى عموما وجماعة الإخوان المسلمين خصوصًا مفهوم مغلوط، بل ومشوه، فالديمقراطية وفقا لرؤيتهم هى مجرد انتخابات لمرة واحدة فقط، ولكن الديمقراطية تعنى الكثير فهى لا تمنح تفويضا لا نهائيا للرئيس ولو كان ناجحا فى الانتخابات بنسبة تسعين بالمائة وليس واحدا وخمسين بالمائة كرئيسنا، كما تعنى أيضا الرأى والرأى الآخر واحترام حقوق الأقليات والمرأة والمهمشين وغيرهم وتعنى أيضا استقلال القضاء وتعنى إعلاما حرا وصحافة حرة وتعنى الفرص المتساوية للمواطنين وتعنى تلازم السلطة والمسئولية، ولكنها بكل تأكيد لا تعنى سلطة بلا مسئولية.. إنها تبدأ بالانتخابات نعم ولكنها لا تنتهى بها أننا نذكر الرئيس بتجربة الأرجنتين فى التحول الديمقراطى وكيف أنها قد غيرت ثلاثة رؤساء وجميعهم، تم انتخابهم من الشعب وذلك فى غضون عامين ما بين 2000 الى 2002 أنها إرادة الشعب فى التغيير أننا نحذر من تهاوى أركان هذه الدولة وسقوطها بسقوط دولة القانون رغم أن ذلك هو أساس بناء الدول إلا أن جماعة الإخوان المسلمين ومنذ نجاح ثورة يناير المجيدة تعتقد انها فوق القانون فلم توفق أوضاعها القانونية حتى الآن ضاربة بالقانون عرض الحائط حتى لو كان ذلك قانون البناء فيرتفع مبناها بالمقطم دون ترخيص ! أرجو أن نعمل جميعا من أجل استعادة ثورتنا التى بعثت فينا الأمل فى مستقبل مشرق لهذه البلاد ولهذا الشعب ونواة ذلك الدستور الذى يجب أن يعبر عن كل منا فمن يقرؤه يحس أنه له وأنه يعبرعن ذاته يجب أن نبنى مؤسسات الدوله وفق اسس قوية بعملية تشاركية لأبناء وطننا وبطريقة لا تقصى تيار أو فصيل. أملنا الحقيقى هو الديمقراطية الحقة.