محمود البدرى يكتب: لا صوت يعلو فوق صوت الشعب

الأربعاء، 26 ديسمبر 2012 10:56 ص
محمود البدرى يكتب: لا صوت يعلو فوق صوت الشعب طوابير الاستفتاء

نعم هى الحقيقة الموجودة بوضوح فى عالمنا السياسى المرتبك الذى يحكمه التخبط والارتجال، والأنانية والسعى وراء المصلحة الحزبية الضيقة بل الشخصية المطلقة.

لقد راهن النظام البائد على موت الشعب المصرى، وأنه لن تقوم له قائمة فعاث بحكمه لمصر، وفى مصر فساداً وإفساداً دونما أدنى اهتمام لرد فعل يمكن أن تصدر من ذلك الشعب الصبور، وأكد على ذلك نخبة متعالية على شعبها فراهنت على خنوعه وأنه ما عاش إلا ليأكل وينام فلا خوف ولا طائل منه.

خيب الشعب المصرى كل توقعات حيث أكد منذ أول لحظة ثورية بأنه فرس الرهان الحقيقى لتلك الثورة ضارباً عرض الحائط بكل توقعات أو حسابات سياسية أو دولية حيث رجح كفة الثورة بعدما نزل بكثافة أبهرت دول العالم قاطبة، وزاد حجم الإبهار به إصراراً قوياً على تحقيق أهدافه.

ظن كثير من المحللين أن المشاركة بكثافة فى استفتاء مارس 2011 ما هو إلاً رغبة فى مشاركة بعد حرمان سنين برغم روعة أداء طوائفه وبداية لظهور ظاهرة طوابير الإرادة.

ثم كانت المفاجأة الثانية بكثافة المشاركة فى الانتخابات البرلمانية التى فُسرت على أنه استقطاب دينى برغم تنفيذه حكم الإعدام السياسى على الفلول بعد فشل الساسة فى إنفاذه.

ثم كانت الثالثة فى انتخابات الرئاسة فى ظل استقطاب وجدل بين أروقة النخب والأحزاب فكانت المشاركة الكثيفة والانحياز الواضح لاختيار الثورة بعدما سقط فى ذلك الاختبار كثير من رموز تلك النخب.

وفى ظل ازدياد حالة الانقسام والاستقطاب التى سبقت الاستفتاء على الدستور، وبعد دعوات محمومة مسمومة بعدم النزول ونشر الترويع والتخويف ببحور دماء تنتظر الناخبين، واستخدام آلة الحرب الإعلامية بغير نزاهة، ضرب الشعب المصرى كعادته أروع الأمثلة فى تأدية الواجب الوطنى بمشاركة أذهلت كل المحللين ليثبت وعياً كاملاً وإدراكاً كبيراً وخبرة وحنكة بالعملية السياسية، فاقت الساسة أنفسهم ومن أدعوا أنهم النخبة ليبرهن بما لا يدع مجالاً للشك أنه النخبة ولا نخبة غيره.

وفى قرية المندرة بمحافظة أسيوط كان المثال واضحاً بعدما شهدت تلك القرية كارثة مروعة فقدت على إثرها أكثر من خمسين طفلاً فكان الرهان على تصويتها ضد مشروع الدستور نكاية فى الرئيس ومؤيديه، إلاً أن هؤلاء البسطاء العظماء ضربوا المثل فى الثبات على المبدأ دون تغيير أو تأثير فى القناعات فكان تصويتهم بـ 1200 صوت لـ نعم مقابل 114 لـ لا، ولا يعنينى "نعم أو لا" بقدر ما يعنينى صمود تلك العقول أمام أدوات التأثير الجهنمية التى صهرت كثيرا من العقول التى كنا نعتبرها نبراساً يقتدى به.

لقد برهنت تلك الطوابير الممتدة لعشرات الأمتار والتى تنوعت فيها الأعمار، ناهيك عن طوابير السيدات الطويلة اللائى تفوقن على أنفسهن وعلى غيرهن حيث ضربن المثل فى تأدية الواجب الوطنى والذى ظهر فى إصرار سيدة حامل داهمتها آلام الولادة - بمدرسة عبد المنعم بدوى بقرية أبو رجوان بالبدرشين - على الإدلاء بصوتها برغم ما تعانيه.

لقد ظلم الشعب المصرى ظلماً بيناً سنين طوال، حين همشه الحاكم وفعل ما فعل غير عابئ برد فعله، وحينما نعته بالخنوع والسلبية برفضه واقعا سياسيا أشبه بمسرحية هزلية فعزف عن المشاركة فيها لا لسلبية بل لحكمة وخبرات السنين، وحينما وصف بأنه بائع لصوته مقابل سكر أو زيت ونسى من وصفه بذلك أنه كان يصوت تصويتاً عقابياً فى زمن النظام البائد لمن يحاول أن يقايضه على إرادته، وحينما وصف بأنه أمىً لا يقرأ ولا يفهم وواجب ألاً يعتد بصوته لعدم الأهلية فكان إصراره على إكمًال مسيرة الثورة بعدما ضحى بما لم يضح أحد به.

لقد أثبت الشعب المصرى أنه أكبر من أن يُؤثر عليه أو أن يشكل له أحد قناعاته، فحجم الممارسات الإعلامية التى مورست عليه لو مورست على جبل لانهار إلاً أنه أبى ذلك دون أن يحقق أهدافه.

إن الشعب المصرى هو الوجه الوحيد المشرق فى عالمنا السياسى الذى يغطيه ضباب الخلافات والاختلافات ليخترق حاجز الصبر والابتلاء فى إصرار واضح على رغبته فى التغيير ليثبت أنه النخبة ولا نخبة غيره فى ظل حقيقة فرضها على أرض الواقع وهى "لا صوت يعلو فوق صوت الشعب".



أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة