محمد فهيم

كلام قبل الاستفتاء

الأربعاء، 12 ديسمبر 2012 10:18 م


عندما أعاد العرب بناء الكعبة المشرفة لم يضعوا فى بنائها مالا فيه شبهة ربا، ولم تكن أموالهم تكفى لبنائها كاملة فاقتطعوا منها ما يسمى بحجر إبراهيم عليه السلام، وعندما فتح النبى الكريم مكة المكرمة قال للسيدة عائشة رضى الله عنها "لولا أن قومك حديثو عهد بالإسلام لهدمت الكعبة وبنيتها على قواعد أبى إبراهيم".

هذه مقدمة أردت بها التأكيد على أن وحدة الأمة هى أكبر الأولويات وأسمى الغايات وها هو النبى الكريم يرفض أن تهتز وحدة الأمة ورفض بناء الكعبة من جديد وهى حتى اليوم فى الحجم الذى بناه أهل مكة عليها.

واليوم نحن أمام حالة من الجدل فى الشارع السياسى بعد الثورة، طفا على السطح الآن أزمة الدستور العارضة والتى صنفها الإعلام بأنها حرب بين الإسلاميين فى الجمعية التأسيسية للدستور وبين القوى المدنية ولكنها فى الحقيقة حرب سياسية ومصالح وتوازنات قوى أكثر منه خلاف بين الطرفين على مواد ونصوص الدستور والدليل أن كل من خرجوا من الجمعية هم من شارك فى وضع أكثر من 90% من تلك المواد وعندما كانوا يتحدثون للإعلام كانوا يصفون الدستور الجديد بكامل الأوصاف، ثم فجأة وعلى غير ميعاد خرجوا ليقولوا دستور معيب ولجنة تلعب لصالح فئة معينة، وكأنهم ظلوا بالجمعية يعملون ليل نهار لمدة أكثر من 5 شهور وفجأة ظهرت لهم الحقيقة المرة والأعجب أنهم ينتقدون الجمعية كاملة ويرفضون الدستور كاملا ورفضوا رفضا باتا أن يعودا للعمل ويغيروا ما يرون من عيوب بالنصوص أو الصياغة واكتفوا بأن يهيجوا الرأى العام ويصفون أعضاء الجمعية بأنهم لا يعملون لصالح الوطن.

والدليل على أنه ليس خلافا حول النصوص بل هى توازنات وخلافات سياسية ما قاله الدكتور أيمن نور أحد المنسحبين فى مؤتمره الصحفى من أنه بكى بكاء شديدا عندما رأى زملاءه يقرون مواد الدستور وهو الذى شاركهم صناعة الحلم وتحقيق الأمل فى نصوص تحفظ للمصريين كرامتهم أى أن الرجل لم يترك الجمعية لخلاف على بنود بالدستور أو عيب فيه.. ولكنها عزيزى السياسية يوم توافق ويوم إعراض.

أزمتنا ليست فى صياغة الدستور ولا فى نصوصه ولا تأخير موعد الاستفتاء.. لكن الأزمة فى رفض ما يسمى بالنخبة لكل ما هو إخوان.. والشعب يريد طعاماً قبل الدستور.. ويريد أمناً قبل الحرية.. ويرفض الحرية إذا كانت بلون الدم.

ولن أتحدث عن دستور مصر الجديد فلست أكثر منك ذكاء ولكن اقرأ أنت وفكر وتأكد من صحة رأيك بعد أن تنتهى، ولكن لنبدأ منذ البداية ونتساءل من شكل الجمعية ؟ وأجيب أنا لقد شكلتها القوى السياسية بتوافق مع المجلس العسكرى فى غياب الإخوان المسلمين، وتم تشكيل الجمعية وبدء العمل وسكتت الأصوات المعارضة ولمدة 5 شهور لم نسمع عن الجمعية سوى أنها تنجز دستورا ما كان يحلم به المصريون، وهذا على لسان السيد عمرو موسى شخصيا والذى انسحب فى النهاية، وعلى لسان الدكتور محمد محسوب الذى يثق به الجميع.

ولكن تحولت الدفة وبدأ السوس ينخر فى الأدمغة وتطاولت الألسنة وخرجت بغير ما قالت فى البداية، وظهر الفلول ليقفوا صفا إلى صف مع المنسحبين فى خندق واحد ضد الجمعية وصاروا هم أصحاب اليد الحانية على مصر وليسوا هم من ذلها وأذاق شعبها المرار بأن كانوا أعوانا لمبارك ومنفذين لسياسات السيدة الفاضلة سوزان مبارك ،ولم يقتنع الشعب ولكن الإعلام تبنى القضية وهيج الرأى العام وحارب الجمعية وأساء كثيرا للمستشار الغريانى ولكن الرد العملى كان هو الحل بأن خرج دستور مصر الجديدة فى موعده رغم أن الرئيس مرسى أعطاه مهلة جديدة لينهى عمله الذى انتهى بالفعل على أيدى الحاضرين والمنسحبين من الجمعية وظهر به أكثر من 20 بندا جديدا يحفظ حقوق وحريات وكرامة المصريين ويضمن حدا أدنى للأجور والمعاشات وتقليص لصلاحيات الرئيس.

وأرى أن مشكلتنا ليست أبدا فى الدستور ولا نصوصه ولا فى الجمعية وأعضائها ولا فى الانسحاب منها أو الاعتراض عليها، ولكن الأزمة الحقيقية فى عدم قبول الآخر ورفض كل ما هو إخوان من فعل أو قول، فقوى اليسار أصابتها الصدمة بقدوم الإسلاميين إلى سدة الحكم فرفضتهم رفضا تاما وتحالفت مع الفلول ومرشحهم للرئاسة حتى لا ينجح الإخوان ولما نجح الإخوان اشتد غيظهم وثارت حفيظتهم وازدادوا كرها وحقدا ونسوا مصر وتذكروا فقط مرارة هزيمتهم الدائمة أمام كل ما هو إسلامى وإخوان مسلمين فى الجامعات والنقابات.

كما أن القوى العلمانية والليبرالية التى طالما تشدقت بمعانى الحرية الرنانة نست تلك القواعد وتخيلت أنها حق لها وفقط وتخيلت أنه ليس من حق الإسلاميين أن يحكموا كما حكموا هم ويغيروا سياسات الغرب التى جرونا فيها سنين طوال حتى سقطنا خلفهم فى جحر الضب، وها هم اليوم يستعدون الغرب على الإسلاميين وتخيلوا أنهم من سيمنحهم الحرية التى سلبهم الإخوان إياهم يعتقدون أنهم ناصريهم وظانين ظنا حسنا بحلفائهم ولا يعلمون أن الغرب أول من يريد ألا تقوم لمصر قائمة وأنه يرفضنا رفضا بالكلية وأنه يصفنا بالعالم الثالث وأنه من جوعنا وسرقنا فكيف يكون اليوم بنا رحيما.

إذن هى حرب شرسة يقودها مدعون الآن ضد جماعة الإخوان المسلمين وضد الرئيس محمد مرسى بعدما ظهر نجاحه الخارجى فى زيارة الصين وفى أزمة غزة ويحاولون إظهاره بمظهر العاجز داخليا، فأراد من أراد أن يحقق نصرا سياسيا على حسابه وأراد من أراد أن يظهر الجماعة بصورة الفك المفترس الذى سيقضى على الجميع فى قضمة واحدة.

ويؤكد كلامى ذلك التجمع العجيب من الفلول وقادتهم ومن الناصريين واليساريين والليبراليين والعلمانيين وأصحاب رؤوس الأموال والمصالح وإصرار الإعلام على تناول الأزمة من جانب واحد وتلوين الحقائق ولى ذراعها ألا يثير كل ذلك علامة استفهام لتؤكد أنه حزب فساد جديد أراد لنفسه لا لوطنه وأراد أن يقسم الشعب ويستعديه على رئيس اختاره لأول مرة بإرادته وطالب المدعون بخلعه وهو لم يكمل شهورا، وحاولوا أن يرهبوا الشعب ويخوفونه من الإخوان على طريقة مبارك ومن قبله.

ذلك الشعب الواعى الفاهم الذى تراه فى الشارع وفى كل مكان يدافع بوعى وفهم ولا يعطى بالا لأولئك المتشدقين فالشعب يحتاج طعاماً وأمناً قبل أن يطلب الحرية والدستور ولسان حال الشارع يقول دعونا نعمل دعونا نمر من أزمتنا اخرسوا أصواتكم الفجة واختفوا عن أعيننا بوجوهكم المنفرة ودعوا القافلة تسير والسفينة تعبر بنا إلى بر الأمان.

* كاتب المقال عضو بجماعة الإخوان المسلمين


أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة