سواء خرج مشروع الدستور الذى تعده اللجنة التأسيسية للنور، أو لم يخرج تحت ضغط الظروف، فلقد كشفت لنا مواده المقترحة عن حقيقة ما يضمره الإسلاميون فى صدورهم نحو البلاد والعباد على اعتبار أنهم بمختلف توجهاتهم وفرقهم يهيمنون على أعمال اللجنة، وينطلقون من أفكار حسن البنا «لإقامة الحكومة الإسلامية» كما ورد فى لائحة الجماعة التى أصدرها فى السادس من مايو 1948.
ولأن الظروف الحالية من حيث تنوع القوى السياسية القائمة فى البلاد تحول دون اقتراح نص صريح يقول: «إن مصر دولة إسلامية»، نصت المادة الأولى فى مشروع الدستور الجديد على: «أن الشعب المصرى جزء من الأمتين العربية والإسلامية ويعتز بانتمائه لحوض النيل والقارة الأفريقية وامتداده الآسيوى».
وهذه المادة عبارة عن توليفة مطاطة من أفكار الانتماء خارج شروط الجغرافية السياسية التى تحدد شخصية الدولة، وتخفى فى طياتها ما تخفيه من توجهات قصد بها إرضاء كل الأطراف. فالقول إن الشعب المصرى جزء من الأمة العربية أمر لا خلاف عليه لأن المصريين يتكلمون اللغة العربية بصرف النظر عن اختلاف عقائدهم الدينية، والانتساب للعروبة يأتى من التكلم باللغة العربية، وفى هذا أورد ابن عساكر المحدث الدمشقى الشافعى حديثا عن محمد صلى الله عليه وسلم يقول: ليست العربية فى أحدكم بالأب أو الأم وإنما هى باللسان فمن تكلم العربية فهو عربى.
أما القول إن الشعب المصرى جزء من الأمة الإسلامية ففيه افتئات على حقيقة الواقع.. فهل المسيحيون المصريون يعتبرون جزءا من الأمة الإسلامية؟! فضلا عن أن الأمة الإسلامية تقوم على وحدة الدين بين شعوب مختلفة القوميات واللغات وطبقا لذلك فإن المسلم الإندونيسى أقرب للمسلم المصرى من المسيحى المصرى.
وأما القول باعتزاز الشعب المصرى بانتمائه لحوض النيل والقارة الأفريقية فقول فيه هروب من الواقع، والمسألة تتجاوز الاعتزاز إلى الانتماء لشريان حياة مصر عبر الزمن «نهر النيل» وما يفرضه هذا الانتماء من سياسات وتوجهات. والاعتزاز بالامتداد الآسيوى أمر غير مفهوم إلا إذا كان يشير إلى سيناء التى تقع جغرافيا فى غرب آسيا، وتلك مصيبة أن نشير إلى أطراف الوطن فى الشرق والغرب والجنوب من باب الاعتزاز وكأننا نقول إن مصر ليست وطنا واحدا وإنما مجموعة أوطان تؤكد ما يدور فى ذهن النظام العالمى الجديد من تفتيت القوميات والأوطان وتصبح قابلة للتجزئة خلافا لما تنص عليه المادة الأولى من الدستور من أن مصر «موحدة لا تقبل التجزئة».
ومن أفكار إقامة «الدولة الإسلامية» التى تختبئ وراء الكلمات المجردة نص المادة السادسة التى تقول: يقوم النظام الديمقراطى على مبدأ الشورى والمواطنة، وإيراد كلمة «الشورى» تشير إلى النظام الإسلامى مع أنه لا علاقة للشورى بالديمقراطية، لأن الشورى غير ملزمة لصاحب القرار فى النهاية، بينما الديمقراطية تقوم على خضوع الأقلية للأغلبية عند التصويت على القرارات، فضلا عن أن «المواطنة» المنصوص عليها، تتعارض مع المادة الثانية الخاصة بمبادئ الشريعة الإسلامية، وتتعارض مع الطبيعة المعتدلة للشعب المصرى عبر السنين.
إن تمرير مثل هذا الدستور سوف يضع مصر على عتبات الخطر ويساعد على تفكيك الوطن. وهنا أتذكر نشيد «اسلمى يا مصر إننى الفدا» الذى نظمه مصطفى صادق الرافعى فى مناخ الخطر الذى أحاط بمصر فى ثورة 1919 وكذا قصيدة حافظ إبراهيم «مصر تتحدث عن نفسها» التى نظمها عندما انقسم المصريون بين سعد زغلول وعدلى يكن.
وعلى هذا يجب أن يبقى هذا الدستور مسودة لا ينبغى تبييضها.