محمد جادالله يكتب: كابوس معالى الوزير

الثلاثاء، 02 أكتوبر 2012 11:08 م
محمد جادالله يكتب: كابوس معالى الوزير هرم سقارة

عاد وزير الآثار إلى بيته منهكاً بعد يوم ملئ بالأحداث المرهقة، وبعد أن انتهى من طعام العشاء، استغرق فى سماع الموسيقى الخفيفة المنبعثة من إذاعة البرنامج الموسيقى، وهو مسترخى على فراشه .

وبينما بدأ خدر النوم يسرى فى أطرافة، بدأت صور أحداث اليوم تتراقص أمام عينيه.
صور الأجزاء المتصدعة فى هرم سقارة المدرج، تتداخل مع وجوه المسئولين عن المنطقة الأثرية.

طاردته أصواتهم، وكل منهم يدفع عن نفسه المسؤولية، وهى تتداخل مع أصوات الصحفيين اللذين طاردوه فى كل مكان طلباً لتصريحاته، التى بذل جهداً كبيراً كى تتسق مع خطورة الموقف.

انتفض الوزير عندما تعالى رنين هاتفه المحمول، فنظر سريعاً إلى الساعة فوجدها تجاوزت الواحدة صباحاً، فتسارعت دقات قلبه، وهو يلتقط هاتفه وينظر إلى اسم المتصل، فإذا بها مكالمة من جهة تحجب رقم المتصل.
يا ساتر استر يارب..
قالها وهو يستقبل المكالمة بإصبع متردد..
- أيوه..
جاءه صوت مسئولا سياديا رفيع يعرفه جيداً قائلاً:
- معالى الوزير فيه خبر سئ جداً.
- قاطعه قائلاً: إيه؟؟ هرم سقارة وقع؟؟
صمت المسئول للحظة، مرت على الوزير كأنها دهوراً، ثم قال:
- بل إنهار رأس أبو الهول.
ذهبت المفاجأة بصوت الوزير حين حاول أن ينطق، وحاول أن ينهض فخانته أعصابه.
- معالى الوزير، اسمعنى كويس..الوضع غاية فى الخطورة، والدقة والتعقيد من حسن الحظ أن هناك فرح شعبى لأحد أبناء أعيان نزلة السمان، حجب ارتفاع صوت المطرب والفرقة المصاحبة له، صوت اصطدام رأس التمثال بالأرض عن السكان.
أنا سحبت قوة تأمين المنطقة من الداخلية، وتحفظت عليهم فى أحد معسكرات الأمن المركزى وأرسلت قوة تابعة لنا بملابس الشرطة لتولى المهمة.
فى تمام الساعة الثامنة صباحاً كما تعلم، هناك زيارة رسمية للمنطقة، يصطحب فيها السيد الرئيس رؤساء وفود من الأمم المتحدة للترويج للسياحة.
لا تقلق.. خطة التصرف جاهزة..
بعد سبع دقائق السيارة ستكون أمام منزلك، وسنتقابل بعد ٢٤ دقيقة من الآن، مع السلامة.
انتفض الوزير ليرتدى ملابسه وهو يحس أنه فى كابوس عميق لا يستطيع الخروج منه.
وغادر منزله لاهثاً، فوجد السائق ينظر له بصرامة، وهو يفتح له باب السيارة فألقى بنفسه على الكنبة الخلفية، محاولاً مجرد استيعاب ما يحدث، وانطلقت السيارة فى طريقها إلى موقع الكارثة.
كان المسئول السيادى ينتظره فى الظلام أمام رأس أبى الهول. التى أصبحت بين قدميه، وبصحبته مجموعة من أصحاب الحلل السوداء المسلحين، وإلى جواره يقف أصحاب وجوه لمسئولين سابقين تعرف عليها على ضوء ألقمر، وبجانبهم وقف رئيس مجلس إدارة شركة المقاولات المعروف عنها أنها تتبع لتلك الجهة السيادية.
ولدهشته لم يجد وجه لعالم قدير؛ أو أثرى بارز؛ أو فريق للترميم.
نظر الوزير بحسرة إلى رأس أبى الهول، الذى استقر على وجهه ملاصقاً للأرض، فبادره المسئول قائلاً:
- معالى الوزير.. احنا مقدرين صدمتك، لكن لا وقت عندنا لأى مشاعر الآن. المعدات الثقيلة فى طريقها، وكما ترى فقد نصبنا ساتراً قماشى عملاق أمام الموقع من جهة مسرح الصوت والضوء لإتمام المهمة.
- معدات ثقيلة إيه يافندم؟ حضرتك عارف أن دخولها هنا ممنوع ولازم ندرس قبل ما .....
- قاطعه المسئول وعيناه ترسل رسالة تحذير حادة اللهجة للوزير قائلاً وهو يضغط على كلماته:
يا دكتور الموضوع منتهي..الأمر الآن أصبح مسألة أمن قومي..
بدأت شاحنات الأسمنت والخلاطات، إضافة إلى أوناش عسكرية عملاقة، لم ير لها الوزير مثيلاً من قبل، إتخذت موقعها فى الموقع بدقة.
وفى خلال دقائق تحول المكان إلى ما يشبه خلية النحل المتكونة من مجموعات عمل منظمة، تضم العشرات من المهندسين والفنيين، كل يؤدى مهمته دون أن ينطق بكلمة.
وسادت تلك الأثناء حالة صمت سمحت للوزير لأول مرة أن يميز صوت المطرب عبد الباسط حمودة المنتشر فى الفضاء يغنى مقطعه الخالد:
"بابص لروحى فجأة يا عينى .. لقيتنى كبرت فجأة.. تعبت من المفاجأة.. ونزلت دمعتي".
وبينما هو شاخص ببصره إلى الرأس المسجى على الأرض، أتى له صوت المشرف على إدارة الموقع قائلاً بحزم ذكره بطريقة الفنان محمد صبحى فى تقليده للعسكريين المصريين:
معالى الوزير.. الباشا أمرنى أبلغ معاليك الخطة..
زى ما حضرتك شايف يا فندم ولادنا شغالين فى مجموعات.. تم نصب السقالات، ويجرى حالياً تبعاً لدراساتنا دق الخوازيق الداعمة فى منطقة الرقبة..يعقب ذلك رفع الرأس وتثبيتها بخلطة أسمنتية داعمة مصنوعة خصيصاً للصق السريع يافندم..
ومال عليه برأسه قائلاً: دى خلطة عسكرية يافندم .. أقوى معاليك من أمير ألفا فى البلاستيك ..
معاليك هاتتسلم منا المشروع منتهى قبل صلاة الفجر يا فندم..
وبينما وقف الوزير يتأمل وهو لا يصدق عينيه الونش العملاق الذى يرفع الرأس الخالد، سمع صوت المسئول السيادى يقول لمشرف الموقع، وأحد المسئوولين السابقين، الذى تربطه به رياضة الكروكيه فى نادى الجزيرة منذ عقود:
- أجهزتنا المتقدمة استعملت أحدث التقنيات فى تعتيم صورة الموقع بعد إظلامه، حتى لا تلتقط أقمار التجسس الخبر وتطيره إلى وكالات الأنباء..
- قال له صديق النادي: دى كانت تبقى فضيحة سعادتك..الحمد لله ان كده كده مناخير ابو الهول ماكنتش موجودة أصلاً، وإلا كانت انكسرت، وتحمل مسؤوليتها معالى الوزير..
وتعالت ضحكات الثلاثة، لم يقطعها إلا صوت المشرف قائلاً بلهجته العسكرية:
الخلطة بتاعتنا ممكن تلزق حواجب ابو الهول يافندم لو انكسرت سعادتك..
وفى تلك الأثناء بدا الوزير، وكأنه فى غيبوبة لا يسمعهم.
قبيل الشروق انتهت خطة إعادة الرأس إلى موضعها بنجاح، واستقبل وجه أبى الهول كعادته أول شعاع للشمس وهى تشرق منذ ما يزيد على ٤٤٠٠ عاماَ.
وفى تمام الثامنة صباحاَ، اصطفت قوات الحرس الجمهوري، مؤذنة بوصول الموكب الرئاسي.
تابع الوزير بنظرية رئيس الجمهورية وهو يتقدم إلى المنصة المرتفعة للغاية، التى أنشأها الخبراء بعد انتهائهم من إعادة تثبيت الرأس، بينما جلس رؤساء الوفود، كل فى موقعه.. وساد صمت عجيب.
أومأ الرئيس للوزير برأسه، وأشار له كى يصعد إليه على المنصة، فاصطكت ركبتى الوزير للحظة وصعد متحاملاً على السلالم التى كانت تزداد درجاتها أمامه بدلاً من أن تقل، وأحس بضيق شديد فى نفسه، وكأنه يصَّعَد للسماء الزرقاء من فوقه، حتى وجد نفسه بصعوبة بجانب الرئيس، وبدا له أن كل الأعين تنظر إليه متسائلة.

بحث الوزير بعينيه عن المسؤول السيادى وهو يزدرد لعابه بصعوبة، فتقابلت عيناه بعينيه الحادتين، وسرى صوته فى سمعه وهو يكرر جملته دون توقف: " دى مسألة أمن قومى يا معالى الوزير".
صم الصوت أذنيه، فلم يلحظ أن الرئيس ذاته ينظر إليه متعجباَ، فى انتظار أن يبدأ هو بالحديث كما يقتضى البروتوكول، ثم يعطى الكلمة للرئيس.
نظر كالمشلول إلى الرئيس وهو يحاول أن يفتح فمه فلم يستطع.
وبدا الرئيس متعجباً من بدلة الوزير التى تغير لونها من الأسود إلى الرمادى الفاتح بفعل الأتربة، ثم أنقذ الموقف بفطنته، بأن وجه حديثه إلى الحاضرين، والعشرات من الكاميرات المنتشرة قائلاً: أحبائي..
ونحن فى هذا الموقع الفريد على وجه الكوكب، حيث مهد الحضارة، وبجوار أبى الهول أهم آثار الإنسانية وأشهرها فهو أقدم شاهد عيان على ما مرت به مصر من أحداث فى تاريخها العظيم.
أقدم لكم المسؤول الأول عن آثار مصر، الذى يصل الليل بالنهار ليقوم بنفسه على العمل الدائب للحفاظ على آثار أمتنا الخالدة.
أنظروا إلى دليل تفانيه، أترون ملابسه التى يعلوها تراب العمل والإنجاز؟؟
هو أمل لأبناء مصر الفخورين بتراب مصر الثمين.
ثم نظر إليه الرئيس قائلاً:
أعرف يا دكتور حجم إرهاقك، لكن هلّا حدثتنا قليلاً عن أبى الهول والأهرامات، وعظمتهما قبل أن أبدأ؟؟
ازدادت نظرة الرئيس حدة، وهو يفسح له، كى يقف على المنصة أمام غابة الميكروفونات الموضوعة عليها.

تداخلت المشاهد أمام عينى الوزير، وأحس بأنه لا يستطيع التقاط أنفاسه، ثم فتح فمه محاولاً أن يصرخ قائلاً: فيه جريمة حصلت فى حق الإنسانية وحق مصر يا ريس، فلم يخرج صوته، وصمَّت سمعه كلمات أغنية عبد الباسط حمودة، حتى شعر أنه يتمزق، فقرر بيأس أن يلقى بنفسه من فوق المنصة.

امتدت له أيدى حرس الرئيس لتمنعه، فخرجت منه وهو يقاومهم صرخة عظيمة، ليستيقظ قافزاً من فراشه صارخاً: كفاية!!!

لم يستوعب بسهولة وهو يلتقط أنفاسه اللاهثة، أن أسوأ كوابيسه قد انتهى.
نظر إلى الساعة المثبتة على الحائط، فوجدها تشير إلى الثالثة والنصف صباحاً، فتنفس الصعداء حين تأكد أنه كان يحلم، ثم قام إلى الشرفة مسرعاً كى يستنشق بعض الهواء النقى.
جاءه صوت عبد الباسط حمودة وهو يسرى فى هدوء الفجر، من كاسيت الميكروباص، الذى استلقى سائقه أمامه وبدا منهمكاً فى إصلاحه.

وتعالت الأغنية : "بابص لروحى فجأة يا عينى ..لقيتنى كبرت فجأة ياعيني"، حتى تداخلت معها أصوات المؤذنين لتعلن مولد يوم جديد.

جرى الوزير مرتاعاً إلى المرآة متفحصاً وجهه، فإذا بملامحه كما يعرفها، فتنفس الصعداء للمرة الأولى فى تلك الليلة العصيبة، وأسند ظهره إلى الحائط مبتسماً وهو يحدق فى سقف الغرفة.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة