محمد جاد الله يكتب: المايسترو والرئيس

الثلاثاء، 16 أكتوبر 2012 07:14 م
محمد جاد الله يكتب: المايسترو والرئيس محمد مرسى

جاءه على الهاتف المحمول صوت مدير مكتب رئيس ديوان رئيس الجمهورية، ينبئه بأن السيد الرئيس حدد له غداً موعداً للقائه فى قصر الاتحادية فى تمام الثامنة صباحاً.
فأجاب مستغرباً: لكنى لم أسع للقاء الرئيس، ثم أنى لا أستيقظ مبكراً..و..
قاطعه الصوت كأنه لا يسمعه قائلاً: الساعة الثامنة صباحاً إن شاء الله.. شكراً يا دكتور.
ثم انقطعت المكالمة.
نظر أمامه فوجد العشرات من عازفى الأوركسترا الجالسين أمامه، صامتين وهم فى وضع الاستعداد، فتذكر أن يده التى تحمل عصاة المايسترو كانت مرفوعة طوال المكالمة.
طرق بالعصا على حافة المنصة قائلا: لننهى بروفة اليوم بإعادة أخيرة.

وما إن أعطت عصاته علامة البدء حتى ذاب فى خضم النغمات والتنويعات المختلفة، لكنه رغم ذلك التزم بكلماته التى يوصى بها طلبته فى مرحلة الدراسات العليا:
لا تغلق عينيك لحظة وأنت تقود الأوركسترا.. يجب أن تتصل روحك من خلال عينيك بأرواح العازفين أمامك كى تصل لأعظم مراحل التلاحم الروحى مع الآخرين، فيصبح لعصاك مفعول السحر فى التناسق.

وبعد أن انتهى، ذهب إلى منزله مهموماً، لا يفهم لماذا دعاه الرئيس؟
هل ليرشحه للوزارة؟ لا.. هذا مستبعد بعد تصريحاته الأخيرة فى أحد برامج التوك شو والتى هاجم فيها الرئيس وحزبه بعنف وانطلاقة روح الفنان.

مالى والرئيس؟
هل رشحت مستشاراً للشئون الثقافية؟؟ هل يريد أن يستميلنى وأنا معارض من أبناء ميدان التحرير ولا أفقه فى السياسة شيئا؟ وهل؟ وهل؟
تداخلت فى رأسه الأسئلة، فارتدى بذلته وخرج يهيم ليلاً فى شوارع معشوقته القاهرة، كما اعتاد حينما يشغله أمر هام.

مشى لساعات طويلة وهو يفكر فى اللقاء حتى عجز رأسه عن التفكير، وكلَّت قدماه.
ساقته أقدامه إلى باب القصر، فنظر إلى ساعته فوجدها تقارب السابعة صباحاً.
نهر نفسه التى أنهكته بشدة محاولاً أن يرتب أفكاره:
سوف يتحدث عن الفن ودوره، وعن الاهتمام بالموسيقى، وعن إعداد الخطط الاستراتيجية لنهضة الوسط الفنى.

وقال من بين أسنانه وهو يهم بالدخول من البوابة: كن أنت.. قل ما تحس به.. لا تبالغ ولا تهوِّن..
قبل الموعد بدقائق دخل عليه مدير المراسم فى مكان الانتظار فنظر إليه فاحصاً، ثم نبهه برقة وذوق إلى أن حذاءه شديد الاتساخ، فازداد ارتباكه وهو يدخل لمكتب الرئيس.

بعد المصافحة جلس كما تقتضى القواعد فى انتظار أن يبدأ الرئيس بالحديث.

وبعد أن انتهى الرئيس من توقيع بعض الأوراق، نظر إليه بود قائلاً:
أهلا يا دكتور.. بلغنى أنك طلبت لقائى.. فهات ما عندك.
مرت لحظات ظنها دهوراً، قضاها صامتاً وهو يستوعب الموقف المحرج، فالرئيس يعتقد أنه هو من طلب لقاءه، وهو قادم لتلبية دعوة الرئيس.
لم يستطع أن يحرج نفسه، أو أن يحرج الرئيس، بإجابة غير محسوبة، فحاول تذكر ترتيب الأفكار الرئيسية التى دخل بها، فلم يجد منها ما قد يفيد فى موقف كهذا.
استجمع شجاعته قائلاً:
سيادة الرئيس..
كونى من المعارضين لن يمنعنى عن نقل خبرة بسيطة منى لمست غيابها عن أدائكم السياسى طوال فترة المائة يوم الأولى.
ثم استطرد قائلاً وهو يخرج عصا قيادة الأوركسترا التى لا تفارقه من جيبه: سعادتك تحتاج إلى هذه وليس إلى عصا موسى.

قام من مكانه واقترب من الرئيس قائلاً بانطلاق: الدولة لا تختلف عن الأوركسترا وأول قاعدة لقيادتها هى أن لا تغلق عينيك لحظة وأنت تقود الأوركسترا..
يجب أن تتصل روحك من خلال عينيك بأرواح العازفين أمامك كى تصل لأعظم مراحل التلاحم الروحى مع الآخرين.. امسك تلك العصا السحرية فى يدك هكذا، وتأمل كيف تصبح تدريجياً جزءا منك، "إن الـ.."

نظر الرئيس بتعجب غير مصدق، وفى تلك اللحظة دخل مدير مكتبه مرتبكاً وأسر فى أذن الرئيس بضعة جمل.
فهز الرئيس رأسه متفهماً، ونظر إلى ضيفه قائلاً:
تقبل عذر إدارتى وعذرى الشخصى، فقد تم الخلط فى الأسماء بين اسم حضرتك واسم خبير فى المجال الاقتصادى طلب مقابلتى.

بهت المايسترو والرئيس يصطحبه إلى باب المكتب بلياقة شديدة وهو يمد يده له بالعصا، فنظر إلى الرئيس برقة قائلاً: تقبلها منى هدية بسيطة يا سيادة الرئيس، إنها أغلى شىء عندى، لكن مصر أغلى منها وتحتاجها أكثر منى..
وما إن خرج حتى كتم أنفاسه حتى وصل إلى باب القصر، ثم انفجر فى ضحك هيستيرى.
نظر إليه المارة بتعجب، فازداد ضحكه الأشبه بالبكاء.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة