"السياحة قاطرة التنمية" لا أذكر عدد المرات التى سمعت فيها هذه العبارة.....كررها مسؤولون ومثقفون وكتاب وناشطون ومحللون وحتى مواطنون عاديون فى الشوارع حين يقفون أمام كاميرات التلفزيون، ولكن لا أرى لها تحقيقاً على الأرض...فهى كأشياء كثيرة فى بلادى تولد وتموت فى قصعة من الكلام لا طعم ولا مذاق لها، ينتهى بها الحال إلى صناديق القمامة دون أن يتفاعل معها أحد...
السياحة - التى هى قاطرة التنمية - فى بلاد العالم التى استطاعت أن تعيش فقط على دخلها من السياحة، يتم التعامل معها بفكر مستقبلى يسعى إلى تطوير المنتج السياحى، وليس فقط الاسترزاق منه على طريقة "على وشها تنور، على صدرها تنور"...فالسياحة لديهم علم يتفرع منه علوم أخرى أولها التنشيط السياحى...فإن كنت تملك ثلث تاريخ العالم وأنت غير قادر على تسويقه سياحياً، فعليك رحمة من الله، فكونك حسن النية لا يجعلك تتقدم خطوة على طريق الدول السياحية...فالتسويق السياحى يعد خطوة أولى فى طريق طويل يساعد فى تطوير علوم السياحة مثل البنى التحتية، وعلوم البيئة، والتنمية الاجتماعية، والاستخدام السياسى للسياحة، وحتى التبشير الدينى يمكنه الاعتماد على السياحة كمصدر للاقتراب من مؤمنين جدد..وللدول التى سبقتنا فى مجال التسويق السياحى بأزمنة طويلة، تجارب جيدة يمكن التعلم منها فى تسويق منتجها....فالأمر فى هذا المجال تخطى - منذ زمن بعيد - تحركات الهواة على المسرح السياحى...فأفكار من نوعية تخفيض أسعار التذاكر على الطيران أو أسعار الفنادق....أو إعلانات متفرقة تدفع الدولة ثمنها لتخاطب بها مواطنيها على التليفزيون المحلى، أو حتى تلك المبادرات الفردية التى يقوم بها بعض العاملين فى السياحة أو بعض الفنانين أو حتى رئيس الدول بزيارته للمدن التاريخية....كل هذه الأفكار تدخل فى باب اليائس من أى تحرك تقوم به الوزارات والمنظمات المسئولة عن التنشيط السياحى.
لقد سار العالم فى طريق التسويق السياحى وسبقنا إلى محطات التخطيط بمعناه العلمى، وبمفهومه المبنى على دراسات حول الأرقام الواقعية للتدفق السياحى والأرقام المتوقعة للنمو، دون التعويل على الأمنيات أو تلميع المسئولين بأرقام مضروبة عن عد السائحين، تضم كل من وطئت قدمه أرض مصر من الخادمات والهاربين من جحيم الحروب الأهلية فى أقطار مجاورة..سبقونا إلى محطة الدعاية المتخصصة التى تقوم بها شركات تعمل فقط فى مجال التسويق السياحى، واستطاعت بخبرتها فتح أسواق جديدة لدول كانت تأتى بعدنا فى ترتيب تدفق السياحة..سبقونا إلى محطة استفادة المواطن الذى لا يعمل بالسياحة من دخلها، ليعرف أن دخل السياحة يصب فى جيوب كل أهل مصر..سبقونا إلى محطة النظر إلى السائح كعميل نقدم له خدمة متميزة نظير ما يدفع، وليس على أنه ماجن فاسق جاء ليحمل الشرور كلها إلى وطننا ولا الإيدز إلى أهلنا..ودون الإفراط فى الكرم إلى حد الغرابة..سبقونا إلى محطة ثقافة السياحة التى هى ببساطة ثقافة مجتمع ينظر - من رأس السلطة فيه وحتى أقل المواطنين علماً- إلى السياحة باعتبارها صناعة للمتخصصين وليست باباً للفهلوة أوالدعايات الانتخابية..إن إضاعة سنتين من عمر مصر بدون سياحة، أصبح شيئاً غير مفهوم بالنسبة للعاملين بالسياحة، وأصبح بالحقيقة لغزاً بالنسبة للوكلاء السياحيين فى العالم..مما أصبح بالنسبة لهم مؤشراً واقعياً يؤكد مخاوفهم السابقة من رفض نظام الإسلام السياسى لكل تحرك اقتصادى يعتبرونه محرماً.. إننا نحتاج إلى الكثير من الانتباه، والكثير من الوعى، فالسياحة ليست - فقط الدجاجة التى تبيض ذهباً - بل هى أيضاً بالنسبة للعالم تعتبر مؤشراً لرغبة الأمة فى قبول الآخر والاقتراب منه وتقريب ثقافتنا إليه.
صورة أرشيفية