«الانتخاب» يعنى «الاختيار من خلال إجراء قانونى يحدد نظامه ووقته ومكانه فى دستور أو لائحة..». لكن المعجم الوسيط الذى أورد هذا المعنى فى طبعته الأولى عام 1960 ذكر بين قوسين أن الكلمة «محدثة»، أى غير معروفة تاريخيا وبالتالى غير موروثة. وهذا قول صحيح لأن المصريين عرفوا عملية الانتخابات العامة لأول مرة فى يوليو 1913 لانتخاب أعضاء الجمعية التشريعية فى ظل الاحتلال البريطانى وفيها أسرع العمد ومشايخ القرى فى الريف وأصحاب المصانع والمتاجر فى المدن بتسجيل أتباعهم وعمالهم فى جداول الناخبين، وبالتالى كان نجاح تلك الصفوة مضمونا، حيث لم يكن هؤلاء الأتباع والعمال يملكون حرية رفض انتخاب سادتهم حتى لقد أصبح معروفا فى أدبيات الفلاحين ما ينتظرهم من سوء فى حالة عدم فوز سادتهم فى الانتخاب.
أما المرة الثانية فكانت فى يناير 1924 بمقتضى دستور 1923 لانتخاب أعضاء البرلمان وما تلاها من انتخابات بشكل غير منتظم حتى عام 1952، ثم استؤنفت فى 1957 وفق دساتير 1956 و1958 و1964 (مجلس الأمة)، ثم دستور 1971 (مجلسى الشعب والشورى).
وفى تجربة الانتخابات العامة تلك التى تأتى بالبرلمان ومن ثم رئيس الحكومة أو برئيس الدولة واجه المصريون حالة جديدة لم يعتادوا عليها من قبل طوال تاريخهم، فقد ورث المصريون عن آبائهم أن الحاكم اختيار إلهى ليس للشعب دور فيه، وأن عليهم أن يقبلوا الأمر الواقع ويتعلموا كيف يتكيفون مع هذا الأمر حتى مع الحاكم الوافد الذى استمد شرعيته من الغزو. وهكذا استقبل المصريون حكاما من بلاد فارس ثم من مقدونيا مع الإسكندر الأكبر وخلفائه البطالمة، ثم من روما وبيزنطة المسيحية، ثم من الجزيرة العربية مع الإسلام حتى زمن المماليك ثم العثمانيين. وكانت مصر فى كل هذا التاريخ مجرد ولاية تابعة لمن دخلها غزوا أو فتحا أو استعمارا أو احتلالا أيا كان التوصيف فليس هذا موضوعنا الآن. وهكذا تم تداول سلطة الحكم فى مصر بين الغزاة بعيدا عن إرادة المصريين أنفسهم فيما عدا محمد على باشا الذى اختارته نخبة العلماء ورؤساء الطوائف والأشراف بزعامة السيد عمر مكرم ليكون واليا على البلاد (13 مايو 1805) وانفرد بالحكم الذى أصبح وراثيا فى أبنائه. لكن الانتخابات العامة التى بدأت عام 1913 كما سبقت الإشارة كشفت أن سلوك المرشحين وناخبيهم غير معزول عن تراث ثقافى موروث يتعلق بالحكم والحكام فى أى مستوى من المستويات، إذ صاحبت عملية الانتخابات حملات التشهير والسباب المتبادلة بين المرشحين بأنصارهم ليس فقط فى مسيرات التأييد أو فى السرادقات التى تقام لتقديم المرشح لناخبيه، بل أيضا فى الصحف الحزبية لصالح مرشحى الحزب وضد الخصوم، وفى يوم الفصل الذى هو يوم الانتخاب قد يمكر الناخب ابن ذلك الموروث الثقافى ويختار من يشاء وينصرف لحال سبيله ويردد المثل السائر «خد فلوسه واكسر له فانوسه».. وهذا هو مبعث الخوف من تجربة الانتخابات المقبلة، أن تتم فى إطار ذلك الموروث الذى لا يجيد فيه الناخب اختيار الكفاءة المناسبة وإنما يتم الاختيار طبقا للولاءات الخاصة البعيدة عن الموضوعية، أو لمن يملأ عينه بالمأكل والملبس مثلما حدث فى استفتاء 19 مارس 2011 على التعديلات الدستورية الأخيرة.