اتسم الكاتب الكبير الراحل خيرى شلبى (31 من يناير 1938 – 9 من سبتمبر 2011) بغزارة إنتاجه الإبداعى المتنوع، ما بين الرواية والقصة والمسرح والدراسات النقدية، فأمد المكتبة الأدبية بما يزيد على سبعين عملاً إبداعيًا، وتميزت هذه الأعمال بتيمات فنية بالغة الخصوبة والإبداع، مثل صورة المرأة، والفلكلور الشعبى، وامتصاص روح المكان، والغوص فى أعماق الشخصية المهمشة والكادحين وسكان المقابر، وكأنه واحدٌ منهم، يعيش ليل نهار بينهم، يأكل ويشرب معهم، وهو ما جعله بشهادة العديد من النقاد معاصريه، يؤكدون لـ"اليوم السابع" على أن الحركة الإبداعية سوف تستغرق زمناً طويلاً حتى تجد من يكون بحجم وقامة "خيرى شلبى"؛ لما يمثله من ملمح بارز ومهم فى تاريخ الخطاب السردى العربى الحديث.
الناقد الدكتور حسام عقل، أوضح أن "خيرى شلبى" برع بصفةٍ خاصةٍ فيما يسمى "امتصاص روح المكان" وهو ما بدا بوضوح فى نصوص بعينها، مثل "وكالة عطية" و"الوتد" و"لحس العتب"، كما أنه خصص حيزًا كبيرًا من تجربته القصصية لمن نسميهم بالمهمشين الذين يصنعون بطولتهم الخاصة.
ويشير "عقل" إلى أنه قد أتيح له أن يكتب عن آخر نصوصه – شلبى - "إسطاسية" التى صعدت إلى قائمة البوكر، وكان يرى أنها تمثل صرخته الأخيرة فى وجه التذمت والاحتقان الطائفى كما كانت بالمثل دعوة واضحة للعودة إلى القواسم المشتركة التى تتعايش فى إطارها الأديان والأطياف والتيارات، فقضية "محفوظ جرجس" الذى قتله رصاص الغدر فى الرواية، تصبح قضية وطنية بامتياز، يدافع عنها الجميع، بمن فيهم الشيخ حامد البراوى خطيب المسجد، كما أن قضية المرأة الريفية "إسطاسية" هى قضية الإنسان المصرى الباحث عن العدالة، وقد أعاد فيها امتصاص روح المكان بنفس روائى جديد، متنقلاً بالقارئ بين منشية العرب وعزبة نصيف وعزبة الحجر ونجع النصارى وغيرها من الدوائر المكانية التى أجاد "شلبى" تصويرها.
ويستطرد "عقل" قائلاً: من المآثر التى أذكرها أننى بمجرد أن دفعت إلى مجلة "الهلال" لدراسة حول روايته هذه، فقد بادر بالاتصال هاتفيًا وامتن للدراسة كثيرًا وأبدى ثقته غير المحدودة فى الجيل النقدى الجديد، داعيًا هذا الجيل إلى تحطيم الأصنام الأدبية والنقدية بقوة ومدافعة أفراد الحرس القديم بجسارة.
وفى نفس السياق يقول "عقل": من آخر المشاهد التى أتذكرها لـ"شلبى" قبل رحيله، حين أقيمت ندوة تأبينية للراحل الكبير فاروق عبد القادر، وحين تحدثت فى المنصة عن تجربته لمحت فى عينه دموع حقيقية، كما أذكر آخر جلسة جمعتنا فى لجنة القصة حين مضى فى تأييد ثورة 25 يناير ورآها أكبر منجز تاريخى وحضارى، فى تاريخ مصر الحديث، وحذر من الثورة المضادة ومن الحيل الماكرة لفلول النظام.
وقال "عقل": فى تقديرى أنه ستمر أزمان طويلة قبل أن تنجح الحركة القصصية فى أن تنتج مبدعًا روائيًا بقامته، مضيفًا، وقد آثر أن يودع المشهد بسيرته الذاتية البديعة أنس الحبايب، التى قام فيها بتقطير تجربته وتلخيص خبراته للأجيال القادمة.
وقال الناقد الدكتور شريف الجيار إن "خيرى شلبى" يمثل ملمحًا بارزًا ومهمًا فى تاريخ الخطاب السردى العربى الحديث؛ حيث استطاع أن يعبر عن أزمات الطبقات المهمشة فى المجتمع المصرى، وأن ينحت نماذجه البشرية من الواقع المصرى الذى تعامل معه مباشرة وحوله إلى فن سردى، موضحًا، فنجد لديه نموذج المرأة التى تمثل شريحة الطبقات الفقيرة أو البسيطة وسماتها ومعاناتها كما نجدها فى "وكالة عطية" التى تعد علامة من علامات أدب "خيرى شلبى"، والتى يرصد من خلال رمزية الوكالة بكل تناقضاتها كرمز لمصر، ومجموعة العلاقات المتشابكة على الصعيد الاجتماعى والسياسى وواقعهما على نفسية الشخصية المصرية.
ويضيف الجيار: استطاع "شلبى" أن يأخذ القارئ دائمًا من الخارج إلى داخل الشخصية ويرصد بعدها النفسى، سواءً أكانت أنثى أو ذكر، وكل تنوعاتها، ولهذا يجد القارئ نفسه وهو يقرأ أدب خيرى نفسه يشعر بالاندهاش خاصة حينما يتعامل مع نماذج المقابر وانعكاس هذا المكان على التركيب الاجتماعى والنفسى للشخصية المصرى التى نعيشها، مدللاً على ذلك بأن "شلبى" استطاع أن يمتلك لغة تحمل فلسفة تراثية للتعامل مع الواقع الراهن وتعامل مع مناطق نفسية فى المكان والشخصيات قليلاً ما نجد كتاب تعاملوا معها عن قرب.
وقالت الناقدة الدكتور هويدا صالح إن مشروع "خيرى شلبى" الروائى احتفى بالفلكلور الشعبى، وأجاد توظيفه فى رواياته التى تستلهم عالم القرية والشوارع الخلفية للمدن، وبيئات المهمشين، حيث تحفل كل رواياته بحكايات عن النداهة والعفاريت، والطقوس الشعبية من فتح المندل والعرافين وطقوس الموت والولادة.
وتضيف: هو عالم أثير ذلك الذى يمنح منه تفاصيله، ويصور دواخل شخوصه، فبطلة "إسطاسية" مثلاً التى فقدت اليقين بتحقيق العدل، وإرجاع حق ولدها عن طريق القانون لا تجد لها ملجئًا إلا أن تتجه للميتافيزيقا والغيبيات، وتخرج كل يوم فى الفجر لتناديه فربما يعود من مملكة السماء التى احتضنته بعد أن أضاع القانون الواقعى دمه، وكذلك الأمر فى كل روايات "شلبى"، التى اشتغلت على المهمشين وعالمهم الذى يغلفه طابعًا فلكلوريًا سواء فى "الأوباش" أو "وكالة عطية" و"الوتد" و"إسطاسية" وغيرها من أعماله السردية.
وتشير إلى أن علاقة "شلبى" بالفلكلور الشعبى لم تقتصر على تيمات سردية تشكل ملامح رواياته، بل له علاقة وثيقة بالفلكلور من خلال عمله كرئيس تحرير "مكتبة الدراسات الشعبية"، حيث يعنى بالمحافظة على ذاكرة الأمة بجمع ما سقط قيده من السير الشعبية، عبر أرشفة التراث الشعبى.
موضوعات متعلقة:
أسرة خيرى شلبى تشييع جنازته بمحافظة كفر الشيخ
رحيل الكاتب الكبير خيرى شلبى عن عمر 73 عاماً
أحمد مجاهد: "شلبى" ودع أحباءه فى سيرته "أنس الحبايب"
أصلان: خيرى خاننى لأنه مات من غير ما يقولى