لا أحد ينكر أن ما تم منذ أشهر عدة فى مصر يعد نصرا تاريخيا وهو نتاج طبيعى لحالة احتقان طويلة الأمد لشعب بطبيعته ليس ثوريا!! وقد تكون هذه الحقيقة صادمة للكثيرين من المنتشين بأحاديث الثورة المصرية التى غيرت بل نسفت معتقدات كثيرة بالية حول الرجل الحديدى والحزب الحديدى والدولة الحديدية..
ولا يملك المراقب لأحوال ثورة يناير خلال الأسابيع الثلاثة الأخيرة سوى أن يخرج بانطباع مؤكد، هو أن هذه الثورة العظيمة التى أطاحت بحكم استقر قرابة ثلاثة عقود من الزمن، لم تعد تملك من وسيلة نضالية سوى الاعتصام فى ميدان التحرير!!
ولذا أتعجب من إصرار كثيرين فى صفوف عشرات الائتلافات التى تتحدث باسم الثورة على مواصلة الاعتصام فى ميدان التحرير، على الرغم من كل الشواهد التى تشير إلى أن هذا الاعتصام، أصبح يفقد فعاليته كأداة للضغط على كل من المجلس الأعلى للقوات المسلحة من أجل تحقيق أهداف الثورة التى لم تنجز تمامًا حتى الوقت الحاضر، بل إن العجب يزداد، أن يستمر هذا الإصرار ومصر توشك على الانتقال إلى مرحلة جديدة لو تمت الانتخابات التشريعية التى يدعو إليها المجلس العسكرى، ووفقا للقانون الذى أعده، لأن هذه الانتخابات سوف تفضى إلى استنساخ نظام الرئيس المخلوع بمؤسسته التشريعية، ومن المؤكد أن الاعتصام ليس هو الوسيلة الوحيدة للنضال السلمى، بطبيعة الحال هو وسيلة مشروعة تماما، ولكنه ليس هو الوسيلة الوحيدة ولا الأكثر فعالية، هناك المسيرات السلمية والإضرابات والمظاهرات والتحالف مع قوى سياسية أخرى ونشر الوعى الصحيح بين المواطنين، وقد تتفتق قٌريحة الحركة السياسية الثورية الملتزمة بالعمل السلمى عن أساليب أخرى، ولكن حتى فى حالة الاعتصام، هناك شروط لنجاحه، منها بكل تأكيد أعداد المشاركين فيه، ونوعيتهم، وتنظيمهم، ووحدتهم، ووضوح أهدافهم، وواقعيتها بالنسبة لمن يواجهونهم بالاعتصام، ومدى مساندة الرأى العام لهم، وخلال الأسبوع الماضى وكذا شهادة بعض قادة الاعتصام أنفسهم أن الاعتصام بدأ يفقد بعض هذه الشروط، إن لم يكن كلها، فأعداد المشاركين فيه فى تناقص، وقد لا تتعدى بضع مئات، كما أن العديدين منهم لا يمثلون حركات سياسية، وإنما هم يرفعون مطالب فئوية متنوعة، ومع الاعتراف بعدالة هذه المطالب، وبمشروعية مشاركة أصحابها فى الاعتصام، إلا أن وجودهم بهذه الكثرة، ومع وجود ضعيف نسبيا للحركات السياسية الجديدة يخلع عن الاعتصام طابعه الوطنى الشامل، فضلا على افتقاد التنظيم المحكم فى الميدان، مما جعل من الصعب على زائر الميدان أن يلمس الفارق بين الباعة الجائلين والمعتصمين، ومما أدى إلى افتقاد السيطرة على مداخل الميدان، وهو ما أسهم فى دخول عناصر تصادمت مع المعتصمين، كما أصبح الاعتصام يفتقد شرطا ضروريا آخر لنجاحه وهو تضامن المواطنين مع المعتصمين، وخصوصا بعد خطاب تكليف الحكومة الجديدة من جانب المشير حسين طنطاوى، والذى تبنى عددا مهما من مطالب المعتصمين، بل وإجراءات محددة اتخذتها الحكومة والمجلس العسكرى فى الأسبوع الماضى، مثل السماح بالبث التليفزيونى لوقائع محاكمة بعض المسئولين السابقين، وتحديد موعد لمحاكمة من لم يخضع منهم بعد للمحاكمة، وفى مقدمتهم الرئيس المخلوع، وذلك فضلا عن المطلب الخاص بمحاكمة المسئولين عن إفساد الحياة السياسية.
وإذا كانت المشاركة الواسعة من جانب ملايين من المصريين فى ثورة يناير، وعلى نحو فاق توقعات من بادروا بالدعوة لها، كان هو أحد الأسباب الرئيسية لنجاحها، فإن عدم وضوح أسباب هذا الاعتصام لنفس هذه الملايين، وتعدد الشواهد على ضيقهم به يلغى شرطا أساسيا لنجاحه... ولكن ولأننا شعب مسالم طيب ليس ثوريا بطبيعته سرعان مانمنا مجددا وعدنا إلى حالة الاسترخاء المذرية التى كنا عليها فيما مضى بل وأسوأ منها.. قد نجد احتجاجات بل الحشد إلى مليونيات متعاقبة كل جمعة فى التحرير حتى تحول الأمر إلى نزهة ولعبة سخيفة وامتلأ الميدان بالمتظاهرين كل جمعة ومعهم الباعة الجائلون.. حتى الشعب المصرى غير الثورى، الذى لم يصدق حتى الآن أنه تخلص من الديكتاتور تفرغ كل واحد من الباحثين عن دور إلى إنشاء ائتلاف.. ائتلاف شباب الثورة فى كل محافظة وهذه الائتلافات لا تفعل شيئا إلا الاجتماع ثم الاتصال بوسائل الإعلام لتغطية الاجتماع ثم الدعوة إلى وقفات احتجاجية لا قيمة لهل وأدرك المجلس العسكرى ذلك.. أدرك عدم جدوى هذه التجمعات التى تنفض بلا طائل وعدم جدوى آلاف الائتلافات الشبابية والحركات التى ولدت بعد الثورة فلم يعد يهتم ولن يهتم لأن وسائل الضغط ضعيفة جدا ماذا تفعل مجموعة حركات وطنية وأحزاب كانت حتى ستة أشهر مضت بلا صوت ولا صورة بلا حركة.. بل بلا حياة لا أحد يسمع عنها إلا فيما ندر ومعظم الشعب لا يدرى عن هذه الأحزاب وتلك الحركات شيئا إلى الآن! وهذا أكبر دليل أننا لسنا ثوريين، إن تعدد الجهات التى تطالب بنفس الحق يبدده ويضيعه مافائدة كل هذه الكيانات والجبهة الديمقراطية والحركة الشعبية والوحدة ال....... لوتم توحيد الكل فى جبهة واحدة لانتصرنا منذ عدة أشهر جبهة واحدة تضم كل الأطياف وكل الشعب نحو مطالب موحدة للجميع ومن المفترض أننا فى حالة ثورة أى أن الوطن هو الكيان الوحيد المسيطر على تفكير الجميع الآن وصلحته العليا فوق كل الأحزاب والحركات.. وفوق كل هذا مازلنا مختلفين فمنا من يريد الانتخابات أولا أو البعض الآخر يريد الدستور أولا ويتسابقون فى تقسيم الكعكة قبل صناعتها ونسى الجميع فى هذه الأوقات السيئة قضيتهم الأساسية وهى محاكمة مبارك ورجاله واستعادة أموالنا المنهوبة.. لقد كادت تضيع الثورة المصرية وهذه حقيقة صادمة أخرى نعم صادمة ومروعة ومؤلمة وأنا بطبيعتى ليس متشائما ولكنى أقرأ المعطيات التى تؤدى إلى نتائج فوجدت مهزلة كبرى أن الذين صنعوا الثورة تواروا بعدما أدوا واجبهم فمنهم من لقى ربه ومنهم من ينظر بحسرة إلى مايحدث وكيف احتل أصحاب الحناجر القوية والصوت العالى شاشات التليفزيون وكيف استولى المنافقون من فلول النظام السابق على أدوات الإعلام ليخطبوا ود الشعب بعد أن كانوا يلعقون حذاء الرئيس وكل شىء يهون من أجل المنصب والكرسى.
وكان الكل الآن أصبحوا معارضين فجأة وكأنهم بين ليلة وضحاها أصبحوا يحاربون الفساد وولدت آلاف الأحزاب التى تضع فى اسمها لفظة ديمقراطى حتى كرهنا هذه الكلمة ومملنا سماعها كما مللنا كل تلك المظاهرات غير المفيدة لأن الشعب يريد أكثر من مظاهرة لتحقيق مطالبه نحن نحتاج ثورة أخرى لتحقيق مطالب الثورة الماضية ولا أعتقد أنها ستحدث.. لأن الشعب المصرى خلاص ابتلع حبوب منع الثورة!!.