منذ أواخر ثمانينات القرن الماضى وبراكين التغيير تجتاح العالم ومن يقرأ التاريخ بطريقة صحيحة لا يمكن أن يخطئ أن أحداث اليوم هى توابع لأحداث الأمس، وإن اختلفت أماكنها وأشكالها، فما حدث منذ انهيار سور برلين عام 1989 وما تبعه من تحرر بولندا عن الكتلة الشرقية بعد الثورة التى خاضها ليخ فاونسا والعمال وأيضا اندلاع ثورة رومانيا وإعدام الطاغية شاوشيسكو وزوجته لينا كل ذلك كان نتيجة طبيعية لما بدأه جورباتشوف بالبروسترويكا والجلاسنوست (إعادة البناء والشفافية) تلك النظرية التى لو أعدنا قراءتها اليوم لأنصفنا جورباتشوف والذى أعتقد أن التاريخ الإنسانى سينصفه حتى لو رأى البعض أن تفكيك الاتحاد السوفيتى تم بالمؤامرة!!!! ولكن المؤكد أن شعوب الاتحاد السوفيتى كانت سعيدة سعادة طاغية حينما نجت من براثن الدكتاتورية، وأنهم رحبوا بالحرية أكثر من الخبز وهم من كانوا يعيشون عيشة كريمة فلم يكن منهم من يعيشون فى المقابر أو عشش الصفيح أو العشوائيات كما يعيش سكان بعض دولنا العربية بل هم كانوا يعيشون فى بلاد أقل ما يقال عنها أنها دول متقدمة تملك كل مصادر الثروة والقوة ولكنهم كانوا محرومين من الحرية، وما إن انهار الاتحاد السوفيتى ودول الكتلة الشرقية حتى بنت هذه الدول اقتصادها وتعافت من كل مشاكلها وعاشت حريتها التى قاتلت من أجلها لأنها احترمت شعوبها واحترمت احتياجهم الطبيعى للحرية والمساواة فماذا لو وقف جورباتشوف وقتها بجيوشه المدججة بكل أنواع الأسلحة فى وجه شعبه ماذا كانت النتيجة؟!.
فهل قرأ الحكام العرب هذه الرسالة؟ والغريب أنهم جميعا كانوا فى سدة الحكم وقتذاك.. لقد قرأها كلٍ بطريقته فقرأها صدام باحتلال الكويت ليمارس دكتاتورية جديدة على شعب مسالم، وكأنه لا يكتفى بدكتاتوريته على شعبه، وليثبت للعالم أن الجينات العربية مختلفة عن كل جينات العالم!! ففى الوقت الذى فتحت فيه أوروبا وأمريكا أبوابها أمام الفارين من الشعوب العربية على اختلاف انتماءاتهم إسلامية كانت أو علمانية.. يمينية كانت أم يسارية وقف الحكام العرب أيضا يتفرجون على التاريخ بطريقة مغلوطة!! فقرأها الأسد بإعادة خطة التوريث من باسل الضابط المحارب الذى مات ببشار الطبيب الذى لم يكن يوما سياسيا ليواصل سياسة والده فى التعذيب والتنكيل بالخصوم، وقرأها الملك حسين بإزاحة شقيقه ولى العهد المحبوب من شعبه ومن العرب بابنه ذى التربية والميول الإنجليزية، وتتابع أحداث العالم العربى وأحداث حرب الخليج بمشهد مأساوى بإعدام صدام حسين شنقا فى يوم عيد الأضحى عام 2006 فهل اتعظ الحكام العرب؟ بالطبع لا فهم تخيلوا أنهم أكثر ذكاء وأكثر مودة مع الغرب ورغم أن الحدث كان يعنى بداية حقبة جديدة من التاريخ، وتوقع الناس أن الرسالة قد وصلت إلى كل الحكام العرب، وأن التغيير آتٍ لا محالة إلا أن الغريب والعجيب أن التغيير أتى بالفعل لكن فى الاتجاه المعاكس!!!! فمنهم من تشبس بالحكم أكثر ومارس دكتاتورية أكثر كبشار سوريا، وآخر راح يقدم تنازلات متتالية كقذافى ليبيا وصلت لحد تسليم كل ما لديه من أسلحة الدمار الشامل، والتى اشتراها بمليارات الدولارات وحرم شعبه من العيش بكرامة، أو حتى فى سلام فى مقابل أن ينجوا برأسه من المقصلة، ومنهم من زاد قربا وودا للغرب مثل بن على تونس، ومبارك مصر، وصالح اليمن، ظنا منهم أن الغرب وحده هو من يملك مفاتيح بقائهم فى الحكم، بل الغريب أنهم لم يكتفوا بما قدموه من تنازلات للغرب بل انقلبوا على شعوبهم أكثر شراسة فسادت المحسوبية والرشوة وعم الظلم فى كل طبقات المجتمع ليس هذا فقط بل كما هو اسم المسرحية الشهيرة ((العيال كبرت)) فعلا العيال كبرت، فكما فعلها الأسد فى سوريا، وعدلها الحسين فى مملكته، فلما لا تتكرر التجربة أليس هم سلالة المجد!!! وهم أدرى بشعوبهم من الغرب!!!! ويُهمهم الناس سرا وعلانية يرفضون، ولكن متى كان لكلام الناس معنى، أو كما يقول المطرب ((كلام الناس لايقدم ولايؤخر)) لكنه اليوم قدم وآخر كثيرًا!!!! فها هى بشائر الثورة تبدأ فى تونس فيقول الجيران من الحكام تونس ليست مصر وليست ليبيا نعم هى ليست مثلهم لكن النتيجة واحدة فها هى مصر وقد لحقت بتونس وها هى ليبيا قد لحقت بمصر.. وسوريا تسابق الوقت لتلحق بهم كل ذلك ولو سألت أى من الحكام الذين ذهبوا أو لم يذهبوا لتكتشف حتى هذه اللحظه انهم لم يستوعبوا الحدث بعد ولن يستوعبوه لكن الأهم أن الزلزال قادم لا محالة ولن يستثنى أحداً، وعجلة التاريخ لن تتوقف وستستمر فى التغيير حتى الممالك التى يظن أهلها أنهم قادرون عليها بما يقدمون من رشاوى لشعوبهم لن ينفعهم ما يفعلون إلا أن يقرأوا ويفهموا التاريخ.