د.عاصم الدسوقى

الدولة المدنية المفترى عليها

الخميس، 18 أغسطس 2011 04:01 م


مع ثورة 25 يناير رفعت الجماعات الإسلامية على اختلاف درجاتها شعار «الدولة الإسلامية»، فما كان من القوى السياسية الأخرى إلا أن رفعت شعار «الدولة المدنية». وبدأ جدل عقيم ولا يزال بين الطرفين حول أيهما الأفضل حتى لقد اختلط الحابل بالنابل لأن الجدل يدور خارج أصول المصطلح شكلا ومضمونا.

إن «الدولة المدنية» مصطلح بديل للدولة العلمانية تم نحته لمواجهة التيار الإسلامى، الذى يهاجم العلمانية والعلمانيين ليل نهار، واصفا إياهم بالكفرة الأبالسة الملاحدة. والدولة المدنية هى أيضا دولة المواطنة ودولة القانون، الذى تتم صياغته من واقع الأعراف السائدة فى المجتمع. ولأن الأعراف نسبية وتتغير مع الزمن فيتغير القانون الحاكم ليتواكب مع المتغيرات الجديدة.

وتاريخيا فإن الدولة المدنية هى دولة كل أهالى البلد (المواطنون) وهى ترجمة للمصطلح الإنجليزى Civil State المشتق من كلمة مدينة City، ومنها كلمة المواطنة Citizenship، التى تعطى لأصحابها حقوقا فى الوطن دون تفرقة أو تمييز عرقى أو دينى. ويعود هذا المصطلح إلى زمن الإمبراطورية الرومانية القديمة حين كانت عضوية مجالس الحكم والتشريع تقتصر على المواطنين دون العبيد. فلما تتابعت ثورات العبيد طلبا للمساواة، منحهم الإمبراطور اضطرارا حق المواطنة Civitas حتى لا يدخلوا المجالس، وهم عبيد وإنما مواطنون (أهالى) شأنهم شأن المواطنين الرومان.

ولما قامت الثورة الفرنسية (14 يوليو 1789) رفعت شعار «الحرية والإخاء والمساواة»، وجاء النص على «الإخاء» لأن المواطن الفرنسى Citoye أى من أهالى المدينة Cite، كان الكاثوليكى فقط أى ليس للبروتستانتى الفرنسى أو اليهودى أى حقوق فى الدولة التى يعيش فيها. وهذا التطور فى اشتقاق المعانى يعنى أن الدولة المدنية هى دولة كل الناس المواطنين على أرضها بصرف النظر عن اختلافاتهم الدينية أو أصولهم العرقية، ويحكمها حاكم لا يخضع لسلطة دينية. ومع النص على رابطة الأخوة (الإخاء) فى فرنسا تجلت الفكرة العلمانية، التى تؤكد الطابع المدنى بحيث لا تستمد القوانين، التى تحكم العلاقات بين المواطنين من شريعة دينية. والعلمانية بهذا لا تعنى إلغاء الدين أو إسقاطه من الحسبان، وإنما تضعه فى إطار العلاقة بين الإنسان والله.

ومن غرائب المجتمع المصرى أننا ما زلنا أسرى قضايا أثيرت فى أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، فقبل أن يظهر حسن البنا الذى دعا إلى إقامة «الحكومة الإسلامية» بأكثر من ثلاثين عاما، رفض صفوة المثقفين المصريين إقامة الدولة الدينية. ومن هؤلاء أحمد لطفى السيد، الذى قال: إن الدين ليس بكافٍ وحده ليجمع بين الأمم إذ لا يجمع بين الناس سوى المنافع (1892)، كما رفض الشيخ على يوسف (فى عام 1893) اعتبار الدين من مقومات الوطن الواحد «لأن من شأن هذا تقسيم الوطن الواحد.. كل حزب بما لديهم فرحون، فيذهب بهم ذلك التعصب إلى استباحة كل دم الآخر وماله وعرضه فتتولد الفتن وتتعاظم المشاكل». وطالبت جريدة المؤيد (ديسمبر 1907) كل المصريين بعدم الخلط بين الوطن والدين، بل إن برنامج حزب الإصلاح على المبادئ الدستورية نص على أنه «لا يجوز للحزب خلط الدين بالسياسة ترويجا لها». وكتبت صحيفة الدستور (يناير 1908) قائلة «إن حكم الطرابيش بدلا من العمائم فيه حماية للأموال والأعراض». وفى 1926 كتب الشيخ على عبدالرازق كتابه «الإسلام وأصول الحكم»، وقال قولته الشهيرة التى قلبت الدنيا عليه: «الإسلام دين لا دولة.. ورسالة لا حكم».

والحال كذلك.. أليست الدولة المدنية هى الأنسب والأفضل والأبقى لخير الوطن وأبنائه؟!


أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة