دعونا نمدح قليلاً.. بل كثيراً , المظاهرة التى قام بها مئات الآلاف من المستوطنين الإسرائيليين ضد رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو تعبيراً منهم عن الاحتجاج الشعبى على غلاء المعيشة وارتفاع الأسعار بشكل عام.
ولكن قبل أن نحكم على عنوان المقال دعونا ننظر لما وراء الخبر.. فقد بدأت الصحف الإسرائيلية فى بث عناوين مشابهه لما سمعناه فى كل من انتفاضتى الشعب السورى الأبى واليمنى الصلد.. مثل "لحظة الحقيقة" و"امتحان الدولة" بل إن بعضها سرد تفاصيل المظاهرات قبل أن تبدأ.
كما قالت عنها نيويورك تايمز الأمريكية أن إلغاء الاشتراكية فى البلاد وتطبيق الخصخصة ولد إحساساً بالفردية لدى المواطنين وأضفى لديهم شعوراً باستئثار شريحة عن الأخرى بالسلطة والمال.
ولكن ما يهمنا فى هذا الخبر بالتحديد هو أن الجيش الإسرائيلى قد جمد خطته المتعددة السنوات والتى ستكلف الخزينة الصهيونية نحو مليارى دولار.
ولقد شاهدنا جميعاً اللافتة التى كتب عليها بالعربى كلمة "ارحل" قاصدة الدعوة لرحيل رئيس الوزراء نتنياهو.
نعم أيها السادة.. ثورتنا المصرية هى التى تعطى للشرق الأوسط بأكمله القدرة على الاحتجاج وقول كلمة لا فى وجه الفساد.
ما يدهشنا أكثر هو اللافتة التى كتب عليها بالإنجليزية عبارة معناها "سر على طريق المصريين" وهى عبارة موجزة، ولكنها تعطى معانى ودلالات كثيرة أهمها أن جميع شعوب العالم بما فيها أعداؤنا قد تأثروا بثورتنا المصرية العظيمة, حتى وإن انتقدها الكثيرون لتوابعها التى لا تبشر بمستقبل مشرق, وللانقسام الذى على وشك الوقوع بين القوى الوطنية التى تنادى بالدولة المدنية وبعض القوى الأخرى المتمسكة بتطبيق سياسات مختلفة, فلا شك أنها كانت وستظل واحدة من أكبر وأفضل وأنجح الثورات على مر العصور, وإلا ما كانت ألهمت الشعوب العربية فى سوريا واليمن وليبيا.
ما أقصده ليس الإشادة بالمظاهرات التى قام بها الإسرائيليون, ولكنه توضيح لكل من شكك فى ثورتنا المجيدة, والتى أشاع بعض فلول الوطنى وقت قيامها بأن إسرائيل تترقبنا على الحدود فلا داعى للخروج وشغل الرأى العام بما لا يفيد, ولكن جاءت مظاهرات الصهاينة على حاكمهم لتعبر عن مدى قوة ثورتنا.. ومدى جديتها ووضوح أهدافها, وكذب ادعاءات كل دعوات الوطنية وقتها من ذيول الحزب الفاسد.
وأكثر ما يشغلنى فى هذا الموضوع هو أن المظاهرات الإسرائيلية, ستشغل الحكومة الإسرائيلية، ولو قليلا عن حربها فى غزة, والأهم هو تقليل التكاليف التى تنفق على تعزيز الجيش الصهيونى وذلك لمحاولة رأب الصدع بين الحكومة والمستوطنين, بما سيلهى الجيش متعمداً عن قتاله المتواصل فى ربوع الدولة الفلسطينية.
فلتعش المظاهرات والانقسامات الإسرائيلية إن كانت ستعم بالخير على الإخوة الفلسطينيين, وسحقاً لها إن لم تأت بما نشتهى ونتمنى.