توقفت أمس أمام مشهدين لهما علاقة بالقضاء، الأول أداء المستشار حسام الغريانى اليمين القانونية أمام المشير حسين طنطاوى رئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة، ليتولى الغريانى رئاسة محكمة النقض والمجلس الأعلى للقضاء، لمدة عام لحين بلوغه سن التقاعد. أما المشهد الثانى فكان الاحتفال الذى أقامته جماعة الإخوان المسلمين فى مقرها العام بالمقطم، لتخريج 110 قضاة عرفيين للحكم فى المنازعات والقضايا الأسرية والميراث، بمحافظتى الشرقية وكفر الشيخ.
المشهدان استثنائيان ينبغى التوقف عندهما طويلا، فالأول يتعلق بالقضاء المصرى الرسمى، قضاء الوطن، والثانى يمثل قضاء موازيا أهليا وشعبيا وإخوانيا، وربما يمثل انقلابا على مؤسسة القضاء، ونيلا من اختصاصاتها، وممارسة جماعة لدور القضاء بشكل غير رسمى، ودون ترخيص.
المشهد الأول استثنائى أيضا، لأن رئيس مجلس القضاء الأعلى يؤدى اليمين القانونية، أمام المشير وليس الرئيس، فنحن فى فترة انتقالية، أو إذا شئنا الدقة، فى فترة حكم عسكرى صريح، حيث تولى الجيش السلطة المدنية منذ الحادى عشر من فبراير، وعطل جميع مؤسسات الدولة الدستورية، رئاسة الجمهورية، ومجلسى الشعب والشورى، ولم يتبق من المؤسسات الدستورية غير القضاء.
وبغض النظر عن طبيعة الحكم فى مصر الآن، فإن وصول المستشار حسام الغريانى لمنصب رئيس محكمة النقض، أعلى سلطة قضائية فى البلاد، حدث مهم، فالغريانى من قادة تيار استقلال القضاء، ولولا خروج الرئيس السابق، وأركان حكمه، ما حصل الغريانى على حقه، وفى هذه الأحوال كان يخير بين الإعارة إلى الخارج، أو استحداث تشريع جديد لمد سن القضاة حتى لا يترأس محكمة النقض أحد المعارضين للحكومة، لكن هذا الوضع انتهى، وهو مؤشر إيجابى نحمد الله عليه جدا.
المشهد الثانى الإخوانى فى غاية الخطورة، وأعتقد أن تأثيراته السلبية أكثر من أن تعد أو تحصى، فقد تحفظنا طويلا على خلط السياسة بالدين، حتى 25 يناير حينما خرج الإسلاميون من كل صوب وحدب، وبدءوا فرض أجنداتهم، ورؤاهم وتفسيراتهم الدينية، على مناحى الحياة كافة.
ولست ضد ممارسة الإسلاميين حقوقهم السياسية، لكننى بالضرورة ضد ظهور مؤسسات دينية بديلة لكل مؤسسة مدنية، وهذا ما بدأ الإخوان يفعلونه الآن، عبر قضاتهم الشرعيين غير الرسميين الذين يجرى تخريجهم، واعتمادهم من المرشد العام، وتوزيعهم فى القرى والأحياء للقيام بأعمال القضاء، تحت زعم تكدس المحاكم، وطول فترة التقاضى.
صحيح أن مصر تعرف القضاء العرفى بشكل غير رسمى فى المناطق البدوية، وفى بعض مناطق الصعيد وبحرى التى لا تزال العائلة تلعب فيها دورا مهما فى الحياة، وبالتالى يقوم كبير العائلة بدور القاضى العرفى للتوفيق بين المتخاصمين، لكن تنظيم ذلك وشيوعه خطر جدا على مؤسسة القضاء وعلى الوطن.
الإخوان يبدءون الآن بالقضاة العرفيين ليكونوا بديلا عن القضاء، ومن قبل أقاموا المدارس والمعاهد الدينية لتكون بديلا عن التعليم الرسمى، ومستوصفات لتكون بديلا عن العلاج الحكومى الذى لا نرضى عنه، والخوف كل الخوف أن يخرج علينا بعد ذلك من يرى ضرورة تكوين شرطة محلية شعبية فى كل مكان لمواجهة الانفلات الأمنى، ثم من يرى بعد ذلك تكوين جيوش شعبية لتأمين المناطق الحدودية أو غيرها.
بعض التصرفات البسيطة قد تكون بحسن نية، وقد لا تكون، لكن فى النهاية نحن أمام عمل منظم للانقضاض على سلطات الدولة وصلاحياتها واحدة بعد أخرى، وأخشى أن ياتى اليوم الذى لا نجد فيه الدولة المصرية، ونجد دولا أخرى، دولة للإخوان، ودولة للسلفية، ودولة للكنسية وغيرها، وعندها يجب أن نقرأ الفاتحة على روح الوطن.