من الناس ناسٌ يكثرون عند الفزع ويقلون عند الطمع، تجدهم فى الملمات ولا تحس لهم أثرا عند الغنائم، يسندون ظهرك عند المصائب، ويشدون أزرك فى الكربات، ويتأخرون عنك عند الفوز والأفراح مطمئنين أن كثيرين سيرفعونك على أكتافهم، وسيجلسون للاحتفال معك.
شعارهم ما قال القائل:
وإذا تكون كريهة أدعى لها وحين يحاس الحيس يدعى جندب
أو ما قال الآخر:
وإن مدت الأيدى إلى الزاد لم أكن بأعجلهم إذ أجشع الناس أعجل،
ومن الناس ناسٌ لا تجدهم إلا عند الطمع، ويموهون أنهم كانوا عند الفزع فى مقدمة الصفوف، هم معك ما دمت آمنا مأمونا، هم يأخذون بيديك ما دامت ملأى بالنقود، هم وراءك ما دامت المصلحة من ورائك.
وسلوك بعض الناس مع الأصدقاء هو نفس سلوكهم مع الأوطان.
الرجال كثير حين يصبح النضال السياسى مجانيا، فلا ملاحقات، ولا حملات تشويه، ولا تلفيق للقضايا، ولا سجن بالشهور والأعوام، ولا مصادرة للأموال والممتلكات، ولا ترويع للأولاد والزوجات، حين يصبح الترشح مجلبة للغنم لا الغرم، ومصدرا للوجاهة لا الإهانة، وبابا عظيما من أبواب الولوج إلى الإعلام، والتقلب بين الفضائيات على كثرتها.
فى الشدة يتركون السياسة بزعم المحافظة على الرسالة الدعوية والفكرية والاجتماعية، وفى الرخاء يتركون الرسالة من أجل السياسة، الأمر الذى يدفع إلى الظن أنهم ما قصدوا الله ولا الوطن، وإنما قصدوا حب الظهور، فى الماضى بالرسالة، وفى الحاضر بالسياسة.
ورحم الله ابن شهاب الزهرى حيث يقول: ما رأينا الزهد فى شىء أقل منه فى الرياسة، ترى الرجل يزهد فى المطعم والمشرب والمال، فإذا نوزع الرياسة حامى إليها وعادى.
هل يذكر أحد رجلا اسمه محمد عبد القدوس، هل رآه أحد على فضائية، قرأ له حوارا فى جريدة، أو وجده رشح نفسه لانتخابات الرئاسة، أو عرف أنه صار عضوا فى ائتلاف من ائتلافات حماية أو حراسة أو رعاية الثورة؟
أين هذا الرجل الذى أحسبه منذ عشر سنوات ما ترك وقفة احتجاجية، أو مسيرة صامتة، أو اعتصاما فئويا، أو مظاهرة بالعشرات أو بعشرات الآلاف إلا ووقف فيها. تجده على سلالم نقابة الصحفيين، وأمام دار القضاء العالي، وفى كل مكان ترفع فيه لافتة للمطالبة بحق من حقوق الإنسان.
أين أنت يا محمد عبد القدوس؟ لماذا لا تمن علينا كما يمن غيرك ببضعة عشر يوما مر فيها مرور الكرام بميدان التحرير؟ بعد أن أصبح الذهاب إلى ميدان التحرير نزهة يشارك فيها الجميع، وبعد أن خفت قبضة الدولة أو زالت، لماذا لا تؤلف مجلدا كبيرا تقص فيه بطولاتك التى تتوارى معها بطولات آخرين ؟
لماذا لا تذكرنا بصورتك وأفراد الأمن يحملونك من يديك ورجليك، مرابعة، هيلا بيلا، ويسحلونك فى عرض الشارع، بينما كان غيرك يسعى هنا أو هناك بعيدا عن ميدان النضال؟
لماذا لا تذكرنا بكرامتك التى أهدرتها من أجل مصر، ونقيب الصحفيين يطلق عليك وأنت زميله فى مجلس إدارة النقابة عفريت العلبة. وجريدة روزا اليوسف التى أسستها جدتك تسخر منك وتسميك أبو ميكروفون؟
يا مرشحى الرئاسة أين كنتم طوال عشر سنوات من الحراك السياسي؟ لا ننكر حقكم فى الترشح، ولكن لا لزوم لبطولات لا وجود لها إلا فى خيالاتكم.
جزاك الله خيرا يا محمد عبد القدوس، فقد علمتنا بالفعال دروسا فى الوطنية، بينما آخرون لا يحسنون إلا فنون المقال.