هؤلاء العلماء و رجال الدين يمكن أن نسميهم بالسلفية الاجتهادية إلا أن هذا المصطلح سرعان ما انتشر لاحقا لوصف الملتزمين بالنص الشرعى (قرآناً وسنة) مع رفض لكل قياس أو اجتهاد و التزام بنهج السلف فى رفض أى بدعة و تمثل هذه المدرسة أساساً أتباع وتلاميذ محمد بن عبد الوهاب وقد أثرت حركة الشيخ محمد بن عبد الوهاب السلفية على سائر الحركات الإصلاحية التى ظهرت فى العالم الإسلامى فى مواجهة المستعمر الغربى، والذى بات يشكل تهديداً حقيقياً وخطراً فى بلاد الإسلام، ومن ثم ازدهرت الدعوة إلى العودة للأصول التى قامت عليها الحضارة الإسلامية من خلال الدعوة إلى نبذ البدع والخرافات التى أدت إلى حالة الجمود والتخلف. وتأثر بهذه الدعوة طائفة من الدعاة الإصلاحيين وأخذوا ببعض مبادئها، وإن ظلت العديد من معتقداتهم وآرائهم السياسية والدينية مخالفة للمنهج السلفى التقليدى المعروف، ومن أبرز هؤلاء الدعاة الشيخ حسن البنا الذى أسس جماعة الإخوان المسلمين.
هذه نبذة بسيطة عن هذه الجماعات ولكن أدعوكم لقراءة المزيد عن مبادئها لتعرفوا أنه لم يكن ضمن مبادئ حركتهم الدعوة للقضاء على المسيحيين كما نتصور، وعموما أرى أن كل جماعة أو فرد له مطلق الحرية فيما يعتقد ويؤمن طالما لم يجبر غيره على اعتناق تلك المعتقدات، وتابعت جيداً ما حدث فى كنيسة القديسين بالإسكندرية وبعدها منشية ناصر وأطفيح وإمبابة، وأخيراً ما حدث لمذيعة قناة "سى.تى.فى" مريان عبده بميدان التحرير خلال جمعة العوة للعمل، كما أطلقوا عليها، وما تعرضت له من اعتداءات من الغوغاء ولن أقول الثوار، لأنهم أبعد ما يكون عن روح الثورة والثوار الذين سفكوا دماءهم ليمنحوا الوطن حريته.. تلك الأحداث الدامية التى أدمت قلوبنا جميعا دفعتنى فى ثورة غضبى إلى أن أعلق كل شئ كغيرى على شماعة السلفيين ولكن حينما هدأت ونظرت للأمور نظرة عقلانية وجدت أمورا كثيرة يرفضها المنطق وأول سؤال سألته عندما سمعت بقصة مريان: هل السلفيون أو الإخوان كانوا هناك؟ هل هم الذين اعتدوا على مريان؟ وبحثت فى الإنترنت عن صور للحادث لعل أجد فيها إجابة شافية عن الفاعل هذه المرة ففوجئت بأن كل المحيطين بالسيدة مريان بدون لحى ولا جلاليب بيضاء وهو المظهر المعتاد للسلفيين وجدتهم أشخاصا عاديين مثلى ومثلكم منهم المتعلم وغير المتعلم وحتى الشباب "الروش" كان ضمن المعتدين.
لا أنكر عليكم دهشتى مما اكتشفته لأنى كنت أرفض كغيرى من الأقباط فكرة أن السلفيين أبرياء لكننى انتقلت للسؤال التالى: إذن ما الرابط المشترك بين كل تلك الأحداث التى بدأت أتأكد أنه يقف وراءها فاعل خفى واحد هل عرفتم من هو؟ إنه الفساد الذى لم تقطع أذرعه حتى الآن والجهل الذى بذر بذوره فينا النظام السابق ولم ننجح حتى الآن فى التخلص منه والتعصب الأعمى الذى حفر ملامحه بداخلنا نظام مبارك ليجعلنا نتصور أن كل جريمة طائفية هى صنعة أيادى الإخوان أو السلفيين حتى أنا كنت أؤمن بذلك ولكننى خالطت عن قرب أفرادا من جماعة الإخوان المسلمين فهم زملاء لى فى العمل منهم الزميل أحمد غانم وهانى صلاح الدين وعمرو محمد هل تصدقونى لو أقسمت لكم إنى وجدت منهم حسنا فى المعاملة ورحابة فى الصدر واستعدادا لقبول الآخر لم أشهده من قبل للدرجة التى لم أتخيل فيها أنهم من تلك الجماعة "الشبح الذى نتصوره نحن الأقباط" كم أجد منهم سماحة تستحق أن أشيد بها.. ولا ننسى أنه فى أحداث إمبابة كان الشيخ محمد على كبير شيوخ السلفيين بإمبابة الوسيط لتهدئة الأوضاع هناك..هل تعلمون أن السلفيين شكلوا لجانا شعبية لحماية أقسام الشرطة بالإسكندرية أثناء أحداث البلطجة التى أعقبت الثورة..والصورة المرفقة بالمقال توضح ذلك؟ لذلك كله أؤكد أن الخطر ليس فى الجماعات الدينية.. صحيح أننا قمنا بثورة جريئة عظيمة وخلصنا البلد من مبارك وأعوانه لكننا لم ننجح حتى الآن فى التخلص من أفكار وثقافة نظام مبارك التى بداخل كل واحد فينا تلك الثقافة التى ترعرعت على مدى أكثر من ثلاثين عاماً.. أنا لا ألوم أحدا ولا نفسى لأننا لم نجد من يلقنا ثقافة مختلفة فما ذنب المجرم أنه أصبح مجرما إذا كان تربى فى بيئة الإجرام.. حقاً الإنسان ابن بيئته.. لكن نستطيع أن نجاهد الآن لقتل مبارك الذى بداخلنا.. وأنا فى ذلك أناشد وزارة الثقافة والإعلام بالتعاون لعمل حملة تثقيفية تتضمن دورات تدريبية تنويرية وبرامج توعية تبصر المواطنين بضرورة التعرف على الآخر وحقيقته وتقبل الاختلاف.. نحن نحتاج أن نتعلم من جديد وهذه هى الثورة المكملة لما لثورة الـ25 من يناير.. صدقونى الخطر الحقيقى ليس فى الإخوان أو السلفيين فهم فى النهاية يعلنون عن أنفسهم بكل وضوح وصراحة ولا يحاولون إخفاء ذواتهم والاندساس بيننا.. الخوف الحقيقى ممن لم يكشف عن نفسه حتى الآن ويلعب بنا من خلف الستار.. والمشكلة الحقيقية أننا لا نعترف بوجود خلل فى ثقافتنا لذلك لابد من الفهم أولا والنظر للأحداث بعقلانية حينما ننجح فى ذلك سيكتمل نجاح الثورة.