لا يمنعه المرض من مواصلة الكتابة، فبعد كتابه " تسابيح النسيان" الصادر العام الماضى عن دار العين، ينتظر صدور رواية جديدة بعنوان " قيس ونيللى"، ويعمل على كتابة عملين روائيين، هما "يوميات الغياب" و" سيد الوداع" .
"اليوم السابع" التقت الروائى الكبير محمد ناجى فى حوار طويل حول الثورة المصرية وآثارها على المثقفين وحال الثقافة ومستقبلها فى مصر.
وفى هذا الحوار، طرح ناجى أسفه لغياب الفعل الثقافى المواكب للثورة، التى وقعت فى مصر، حتى أنه لا يشعر أن فاروق حسنى ترك وزارة الثقافة، رغم تعاقب ثلاثة وزراء على مقعده منذ أول تغيير وزارى، خلال أيام الثورة، وحتى الوزارة الحالية التى يشغل أبوغازى هذا المنصب فيها.
كيف تلقيت الثورة المصرية، وهل نزلت ميدان التحرير فى أى يوم خلال فترة الثمانية عشر يومًا قبل سقوط مبارك؟
سافرت لباريس يوم 22 يناير، وعدت يوم 25 فبراير، لمتابعة علاجى هناك، لكننى لم أكن خارج المشهد طبعًا، فهناك لمست فرحا متوترا جدًا، شاركنى فيه المصريون المقيمون بفرنسا، وكذلك الفرنسيون، ومجرد تعيين مبارك نائبًا له، كان إنجازا كبيرا، لكن الشارع كان يطلب المزيد، ومشاعرنا أيضًا تطلب المزيد، وحتى الآن أشعر أنها ليست ثورة، وإنما حالة ثورية انطلقت يوم 25 يناير بنت غضبا مكتوبا، فلم تكمل بعد مهامها الثورية، وهذا رأيى حتى الآن، فالثورة عندما انطلقت لم تكن هناك قوى سياسية جاهزة لها، وحتى هذه اللحظة، المطالب غير محسومة، ولم يقدم حزب برنامجًا مفهومًا، وهناك " خناقات" حول المصطلحات، لكن ليس حول الجوهر، وأظن أن ما تم إنجازه حتى الآن، يندرج تحت مسمى ثورة تصحيح، مثل تعديل فترات رئيس الجمهورية، ويهم الواقع السياسى بفرز دستور جديد، وثمار كل ذلك لم تتجسد بعد، لكنه مبشر رغم غياب النضج فى الشارع السياسى.
أين هم الآن الجماعة الثقافية غير الرسمية، ألا ترى أنهم لا يزالون خارج المشهد الثقافى والثورى؟
للأسف البعض انتهى إلى سلبية، والبعض انتهى إلى ممالأة النظام، وخدمته، وللإفاقة من هذا الوضع نحتاج لمناخ ثقافى، والذين يعيبون على المؤسسة الثقافية الرسمية فى فترة مبارك، ما قدمته، ينسون أنه يتسق طبعا مع نظام مبارك، وإذا لم يتغير التوجه داخل المؤسسة الثقافية الرسمية، سينتج نفس السياسة، وسيمضى بنفس الطابع فى تهميش ناس، وتقريب ناس، وتوظيف الثقافة فى خدمة السياسة، وحتى الآن لا يوجد فعل ثقافى مواكب لفعل الثورة، وطبعا لا أعنى كتابة رواية أو كتابة نص شعرى، والمثقفون عليهم دور فى مناقشة القوانين وروحها، فالثقافة تقدم رؤية للحياة، وليست هى الشعر، ولا المسرح، وهذا لا يجب أن يكون دور الثقافة الرسمية فقط، بل والمستقلة أيضًا.
أشرت لغياب العمل الثقافى المواكب لفعل الثورة، فهل شعرت أن فاروق حسنى ترك وزارة الثقافة؟
لم أشعر أن فاروق حسنى ترك وزارة الثقافة، والمسألة ليست فى شخصه، فالمسألة أنه كان هناك وزير كان اسمه فاروق حسنى، وكان من الممكن أن يكون اسمه محمدين، لكنه كان مكلفاً بتوظيف الثقافة فى أشكال احتفالية أقرب للنشاط السياحى، وأن يسلبها معناها، ويوظفها لخدمة السياسة، قام بهذا الدور بالمصادفة واحد اسمه فاروق حسنى، وإذا لم تتغير هذه التوجهات، مهما كان الجالس على عرش وزارة الثقافة، سيضخ نفس السياسة، وإذا كنت أنت "شايف" أنها تغيرت، " قول لى"، فحتى الآن لا توجد سياسات ثقافية ثورية قدمتها وزارة الثقافة.
فى رأيك " من اللى جاب التانى ورا" وزارة الثقافة أم المثقفون؟
هذا سؤال صعب، طبعًا وزارة الثقافة تحت شعار الحظيرة المفتوحة للمثقفين تسببت فى كوارث، لكن يجب ألا ننكر أنه إذا كانت المؤسسة الثقافية استقطبت فعاليات توظفها فيما تعمله، كان أضعاف أضعاف هذا العدد خارج المؤسسة " بيعارض بطريقته"، وهناك روايات كثيرة سجلت الأوضاع الموجودة، وصنعت نوعًا من التحريض على تجاوزها، وهناك مثقفون بذلوا دورًا، لكن للأسف لا يوجد نسق ثقافى يوفر حياة ثقافية، فالمثقفون خارج الأطر الرسمية، مشرذمين، وبعضهم كان يعمل موظفين ومشرفين على السلاسل الثقافية، لكنهم فى النهاية كانوا غرباء داخل المؤسسة، التى كانت تبطشه إذا وافق على إصدار كتاب يتعارض معها، فلم يفعل المثقف المصرى شيئا، لإيجاد حياة ثقافية مستقلة وفعالة خارج الإطار الرسمى، وإذا أردت إجابة مباشرة على سؤالك، أقول هى سياسات نظام، وليست وزارة فقط، فالثقافة نتعاطاها عن طريق لجنة السياسات بلجنة الحزب الوطنى، التى كانت تمارس تنظيرًا ثقافيًا سياسيًا أيضًا، وطبعًا الوزارة مسئولة عن تأخر المثقف، لأنه فى النهاية فرد فهو الأضعف.
إذا هممت بكتابة عمل أدبى عن الثورة، من أى مشهد ستتناولها، وكيف؟
إذا كتبت عملا ما عن الثورة، سأكتب من زاوية اعتراضية، زاوية أحذر فيها من شىء، وألفت النظر للنواقص، لا أن أؤذن وأهلل لما تم، سأرغب فى كتابة ما لم يتحقق من الحلم، لكنى لن أكون مصفقا، وأظن أنى لن أكتب الآن عملا عن الثورة، لأنى أكتب حاليا فى عملين روائيين، هما "يوميات الغياب" و"سيد الوداع" وكنت قد انتهيت بالفعل من كتابة رواية بعنوان " قيس ونيللى" وهى قيد الطبع الآن.
وإذا كتبت عملا أدبيًا تناولت فيه مبارك، من أى مشهد ستجسده؟
أظن أنى لو كتبته، وهذا أمر بعيد، سأكتبه وهو بين أسرته، ينظر لهم، ويقيس مساحات الود والكراهية، باعتبار أن بعضهم كان سببًا فى توريطه فى تصرفات، أدت به إلى هذه المهانة.
كيف تصف المعارك الدائرة بين الليبراليين والإخوان والسلفيين؟
للأسف هناك غياب للمصطلح الدقيق، وخوف من الآخر، وتشكيك فيه، ومحاولة لإقصائه، والعصبية التى تغلف خطابات الإخوان، نتيجة طبيعية لفترة طويلة من الاضطهاد، الذى جاء بعد إحساس هذا التيار أنه دفع ثمنًا ويرغب فى أن يأخذ نتيجته، وفى المقابل هناك قوى سياسية كثيرة ليس لها خبرات فى الشارع، بوزن الفصائل الدينية.
هل تظن الإخوان المسلمين سيحكمون مصر، وما هى نسبة عدد المقاعد التى تتوقع أن يحصلوا عليها فى انتخابات البرلمان القادم؟
أى نتيجة تحملها الانتخابات علينا أن نقبلها طالما جاءت عبر الديمقراطية، وأن تقبل النتائج، غير أن تقبل القوى السياسية المنافسة، فإذا كنت لا أقبل الإخوان، فعلى أن أقبل نتائج الانتخابات، وأنا أعتقد أن النسبة التى يعطونها لأنفسهم والتى يقدرونها بـ30%، قد تكون مبالغاً فيها، فعلينا أن نلاحظ بصراحة، أن مصر فيها عشرة ملايين قبطى، على الأقل نصفهم قوى سياسية منافسة لن تنتخب الإخوان، وكذلك أغلب نساء المدن، و50% من سيدات الريف، والقوى الليبرالية واليسارية لن تنتخبهم أيضا، وأظن أنهم قد لا يحصدون 30% من مقاعد البرلمان، وأرى أن المهارة ليس فى أن تسفه خصمك، ولكن أن تعمل لتتفوق عليه.