تصورنا أننا سنتخلص بعد ثورة 25 يناير من حكومات التسول وإعلام لله يا محسنين، وننتقل من مرحلة "حسنة قليلة تمنع بلاوى كتيرة"، و"هنيالك يا فاعل الخير والثواب"، إلى مرحلة "ارفع رأسك انت مصرى"، وأنه آن الأوان لتتوقف بعثات طرق الأبواب ووفود الشحاذة التى تجوب العالم كله باسمنا وتستلف من كل صناديق العالم العربى والغربى ومن بلاد الواق واق على حسنا وبحجتنا، قبل أن نكتشف أن هذه الأموال كان يتم تحويلها أولا بأول إلى حسابات الرئيس السابق حسنى مبارك وعائلته وحاشيته فى كل بنوك العالم، بداية من بنوك سويسرا وأمريكا وإسرائيل وحتى أوغندا وموزمبيق.
والحقيقة أننى أكاد أموت من الغيظ والكمد وأنا أطالع أخبار المعونات والمنح والقروض الميسرة والنفحات والهبات التى بدأت تتساقط علينا من الشرق والغرب، وشعرت بالفعل بالغثيان وأنا استمع إلى "أوباما" وهو يزف إلينا أنباء المليار دولار نفحة والمليار الأخرى التى قرروا إسقاطها من ديوننا بعد أيام قليلة من خروجه علينا ليعلن لنا أنهم قتلوا أسامة بن لادن وألقوا بجثته فى البحر حرصا على مشاعر المسلمين والتزاما بالتقاليد الإسلامية فى دفن وتكريم الموتى!
وقلت لنفسى: هل قامت الثورة لنمد يدنا مرة أخرى للقريب والبعيد والعدو والحبيب؟ ..وهل فعلا وصلنا إلى حافة الإفلاس كما يبشرنا جهابذة الاقتصاد فى حكومة الدكتور شرف.؟..وأين لهجة التفاؤل التى كان يتحدث بها وزير المالية سمير رضوان عقب توليه الوزارة؟ وأين الحلول التى حدثنا عنها للخروج السريع من آثار ما بعد الثورة؟ وأين أموال الصناديق وفروق أسعار الغاز والفلوس المنهوبة التى وضعوا أيديهم عليها؟!..وإذا كان هذا الرجل وزملاؤه فى الحكومة الجديدة يقولون لنا نفس الكلام الذى كان يردده وزراء حكومات مبارك.. وإذا لم يكن لديهم حلول لمشاكلنا أو رؤية للخروج من الأزمة فلماذا يستمرون إذن؟..
وإذا كانوا بالفعل أعضاء فى حكومة لتسيير الأعمال، فلماذا يناقشون ويقررون خططا بعيدة المدى ويوافقون على مشروعات تستغرق عشرات السنين، وهم لا يستطيعون أن يفعلوا شيئا حيال الأزمة العارضة فى اقتصادنا سوى العودة إلى سياسة بعثات طرق الأبواب وجولات التسول القومى؟
وزاد من حنقى وغيظى وإحساسى بالهوان ما قرأته لبعض الكتاب فى صحف خليجية عن مبررات منح السعودية المليارات الأربعة لمصر، وأبشعها الحيلولة دون خضوعنا لإملاءات وضغوطات دولية تؤثر على مصالح العرب الاستراتيجية..يعنى هم يحاولون إنقاذنا من الإفلاس والجوع حتى لا نبيع القضايا العربية، وخاصة بعد ما بدا من بوادر تقارب بين مصر وإيران.
ورغم أننى لا أفهم أشياء كثيرة مما يحدث الآن فى بلدنا بعد أربعة شهور من الثورة، ولا أعرف حقيقة من سيفوز فى الانتخابات القادمة، وهل سيحصل الإخوان بالفعل على جزء كبير من الكعكة ؟..لكن كل ما أعرفه أننى لا أستطيع حتى الآن أن أرفع رأسى أو أشعر بمصريتى أو أجد أى مبرر منطقى يجعلنى أسترد إحساسى بالتفاؤل والثقة فى المستقبل ..ربنا يخيب ظنى ويكذب إحساسى.