خالد صلاح

محمد الدسوقى رشدى

تانى.. عن الإعلام الذى لم تزره رياح الثورة

الأحد، 17 أبريل 2011 12:18 م

إضافة تعليق
زار الغضب بعض زملاء المهنة بسبب ماكتبته هنا أول أمس تحت عنوان "مصدر رفض ذكر اسمه" واعتبر بعض المتحمسين منهم أن الكلمات المكتوبة تحمل إهانة واتهام بالفبركة، وربما يكون كلامهم صحيحا، وإلا بماذا تفسر كل تلك الأخبار المغلوطة والمعلومات التى يتم نشرها على لسان مصادر كلها مقربة من أسرة الرئيس السابق وكلها وللمصادفة ترفض ذكر اسمها خوفا من شىء لا أعرف ماهو رغم أن ثورة 25 يناير لم تجعل للخوف معنى.

ربما تكون فبركة الأخبار عن الرئيس المخلوع وأسرته ورجاله التى نهبت مصر أخر الاتهامات التى يمكن أن توجه إلى العاملين فى الحقل الإعلامى المصرى ولكن أولها وأخطرها هو الاستسهال فى تلقى المعلومات والأخبار الخاصة برجال النظام السابق والتسرع فى نشرها حتى ولو كانت على لسان موظف غاضب أو عابر سبيل ينقل معلومة نقلا عن آخر نقله هو أيضا عن آخر.. راجع ما نشرته الصحف والمواقع حول التحقيق مع سوزان مبارك وخبر نقل مبارك من شرم الشيخ إلى القاهرة، وستجد أمامك كم من الأخبار تحمل تفاصيل توحى بأنها مؤكدة وتوحى بأن كاتبها كان نائما على السرير بجوار الرئيس السابق، ثم تأتى أخبار أخرى لتنفيها بنفس الإحساس والشعور دون أن يبدى أحد من هؤلاء المتأكدين والمعتمدين على المصدر الذى يرفض دوما ذكر اسمه أى أسف أو حتى شعور بالخجل على يقينه الذى أصبح كذبا.

الأخطر من تلك الاجتهادات هم هؤلاء الذين يظهرون على شاشات التلفزيون وتستضيفهم برامج التوك شو ويبدأون فى إلقاء القصص والفتاوى ولعب دور البطولة على رجال النظام السابق الذين كانوا هم أول اللاهثين خلفهم، راجع شريط برامج التوك شو قبل 25 يناير وبعد 28 يناير وستجد ضيوفا من نوعية مصطفى الفقى وبكرى وأحمد موسى ومقدمى برامج من نوعية هناء السمرى وسيد على ولبنى عسل وقد انتقلوا من الكلام عن حكمة مبارك إلى لعنه وشتيمته وكأن شيئا خسيسا ما قد حدث.

المشكلة فى أصلها لا تتعلق بوسائل الإعلام فقط بل تتعلق بالمجلس العسكرى أيضا الذى يتعامل مع محاكمة مبارك وأولاده مثلما يتعامل الطالب الخائف من غش زملائه فى لجنة الامتحان يحرص فى أن يدارى ورقة أسئلة لدرجة يخيل لك معها أنه يغش أو يخشى من فضح أمر ما، لماذا يتعامل المجلس العسكرى مع هذا الأمر بالشوكة والسكينة؟، لماذا لا يقدم تقارير واضحة تخبر الناس أولا بأول آخر تطورات وضع الرئيس السابق حتى تغلق الباب على وسائل الإعلام التى انعدمت ضمائرها ولجأت للفبركة واختلاق القصص؟.

أزمة الإعلام ووضعه أخطر مما نتخيل ولأن التكرار يعلمنا ويذكرنا جميعا تعالى نقرأ مرة أخرى هذه السطور.. ضع صحف مصر كلها أمامك، وحاول أن تشاهد توك شو أو أكثر فى نفس اليوم وستدرك أن الثورة ورياح تغييرها زارت أجهزة ومجتمعات ونفوس كثيرة، ولكنها لم تطرق بعد باب الصحافة والإعلام، ودعنى أكون صريحا معك وأقول إن حبس مبارك أو سجن أتباعه أو حتى إعدامهم ليس هو المتمم لنجاح تلك الثورة، الثورة لن تنجح ولن يكتمل نموها إلا بإصلاح حال الإعلام والقضاء.. الثورة لن تصبح ثورة إلا بعد أن تطول منصة القضاء وصفحات الجرائد وشاشات التلفزيون وتنسف مابداخلهما من كتل فساد ربما تكون أخطر وأكثر ضررا من فساد إهدار أراضى الدولة والتلاعب فى البورصة.

طبعا لا داعى لأن ألفت انتباهك بحالة التحول الغريبة التى أصابت الصحف القومية وحولت كل محرر فيها كان يسبح بحمد مبارك وأسرته إلى مناضل يغرز سيفه بكل شجاعة فى جسد مبارك وأتخن تخين من رجاله، ولا داعى لأن ألفت انتباهك لمقدمى البرامج الرياضية الذين كانوا يسبقون اسم الرئيس السابق مبارك دائما بجملة شهيرة هى راعى الرياضة والرياضين، ثم فجأة وبعد 25 يناير خرج كل واحد فينا ليخبرنا عن قصصه النضالية فى وجه الرئيس السابق، ولا داعى لأن ألفت انتباهك إلى أن هؤلاء فى الصحف وفى البرامج تحولوا من نفاق مبارك ورجاله إلى نفاق الرأى العام ورجال المجلس العسكرى.

لا داع لأن ألفت انتباهك إلى كل ذلك وماهو أكثر منه لأنى على يقين من أنك تلعن هؤلاء المتحولين كل يوم، ولأن الفيديوهات المسجلة والصحف القديمة تملك كل دلائل إدانتهم، وقادرة على أن تجلعنا أن نفرق بين الشرفاء الذين رفضوا النوم فى حضن السلطة، والموالسين الذين ارتموا فى أحضانها، وبعد أن ماتت لعنوها بلا خجل أو كسوف، دون أن يدركوا أن الشعب المصرى يؤمن بالمثل الشعبى القائل: "بعد العيد ما يتفتلش الكحك"، أى بعد رحيل مبارك من السلطة لا يمكن اعتبار نقده نوعا من أنوع البطولة.

وبعيدا عن تلك التحولات النفاقية توقف لحظة أمام مانشيتات وأخبار الصحف المصرية الخاصة بالرئيس مبارك وأسرته وستجد أمامك كم فاضح من عدم المسؤلية والضحك على الناس والرغبة فى نشر أى نميمة تسلى القارئ، الصحف المصرية الخاص منها والقومى ينشر عشرات الأخبار عن مبارك وعلاء وجمال وسوزان اعتمادا على مصدر واحد هو "المصدر الذى رفض ذكر اسمه"، والغريب أن هذا المصدر يقول كلاما مختلفا فى كل صحيفة عن الأخرى، ففى مرة تجده يقول إن زنزانة علاء وجمال مساحتها 6 متر وفى صحيفة أخرى يقول إنهما مسجونان فى عنبر مساحته 50 مترا، وفى يوم آخر يقول بأن مبارك مريض وممتنع عن الطعام، وفى نفس اليوم وفى صحيفة أخرى يقول بأن خديجة دخلت عليها بطعام شهى تناوله وقرأ الجرائد، وفى صحيفة أخرى يقول بأنه طرد خديجة وهايدى، ونفس هذا المصدر الذى رفض ذكر اسمه، يقف وراء مراسلين برامج التوك شو فى مدينة شرم الشيخ ليجعلهم يقولون أخبارا متناقضة على لسانه، حيث توجد المراسل من دول واقف ومن خلفه تبدو مستشفى شرم الشيخ ويخبرك بأن المصدر الذى رفض ذكر اسمه قال له بأن صحة مبارك فى تحسن ويأكل ويقرأ الصحف، وفى رسالة أخرى يخبرك بأن نفس المصدر أخبره بأن مبارك تدهورت صحته ودخل فى حالة اكتئاب.

أنا لا أقول هنا إننا أمام أخبار أو قصص خيالية، ولكننا أمام حالة من إعدام المهنية،حالة من الخجل المهنى تدفع كل صحيفة أو كل صحفى لأن يلجأ إلى الإفتاء والاعتماد على حكاوى شفهية من شخصيات لا علاقة لهم بأى شئ من اجل أن يكون لديه قصة ينشرها، نحن أمام حالة مرفوضة أخلاقيا لأن الإستهتار فى نشر أخبار عن الرئيس المخلوع وأسرته يحمل فى طياته نوعا من الجبن على اعتبار أن نشر أى كلام وأى حكايات لن يجد من يكذبه بعد أن أصبح مبارك وأسرته خارج السلطة وفى السجن وبعد أن اصبح المزاج العام فى الشارع ميال لأن يصدق أى شىء عن الأسرة التى كانت تحكم مصر طالما يحمل فى سطوره بعضا من الإذلال لمبارك وأبنائه.

افرح قدر ما شئت بسجن مبارك ومحاكمته وإعدامه، ولكن تذكر دائما أن البطولة الآن لم تعد فى الهجوم على ذلك الرجل الضعيف وأسرته، تذكر أن البطولة الأن ليست فى نقل أى أخبار غير معلومة المصدر وتذكر أيضا أن ثورة 25 يناير اشتعلت من أجل أن تحرق الفساد لا أن تورثه بأشكال مختلفة، لا تدعموا الصحف ووسائل الإعلام وهى تسير فى هذا الإتجاه، لأنها مازالت تعاملكم بنفس الطريقة وكأنكم بسطاء وسذج يجلسون على رصيف الكورنيش فى انتظار أخبار التسالى والنميمة، خذوا موقفكم وأخبروهم أن الثورة غيرتكم وأنكم فى حاجة إلى إعلام يحدثكم بصدق عن الواقع ويشرككم فى وضع رؤى المستقبل.

إضافة تعليق




لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق

تم أضافة تعليقك سوف يظهر بعد المراجعة



مشاركتك بالتعليق تعنى أنك قرأت بروتوكول نشر التعليقات على اليوم السابع، وأنك تتحمل المسئولية الأدبية والقانونية عن نشر هذا التعليق بروتوكول نشر التعليقات من اليوم السابع
الرجوع الى أعلى الصفحة