خالد صلاح

أكرم القصاص

الشعب والجيش وقطار الثورة

الأحد، 10 أبريل 2011 12:55 م

إضافة تعليق
قصة مكررة.. شخص قرر السفر إلى الإسكندرية وركب قطاراً اكتشف أنه يتجه إلى الصعيد، وبدلا من أن ينزل ليأخذ القطار الصحيح، بقى فى القطار ودخل فى مشاجرات مع الركاب، ونزل فى مدن الصعيد ليدخل فى قضايا وبلاغات، ونسى أن هدفه السفر للإسكندرية.

قصة تنطبق على وضع نرى أنفسنا فيه منقسمين على تفاصيل فرعية وننسى الأساسية.

الثورة تمت بمشاركة تيارات وفئات مختلفة، توحدت حول أهداف واحدة، بعد تنحى حسنى مبارك ظهرت الاختلافات فى طريقة تنفيذ المطالب، وأيا كان، فإن نتائج الثورة سوف تكون على الجميع إذا نجحت فى بناء نظام جديد سوف يستفيد الكل من النتائج، بما فيهم من لم يشاركوا وحتى أعداء الثورة.

ثورة يوليو كانت انقلاباً عسكرياً أيده الشعب، لكن ثورة يناير شعبية ضمنها الجيش، ورفض الانضمام فى مواجهة الشعب، ولو كان الجيش انضم إلى النظام السابق كانت الأحداث ستأخذ اتجاهات أخرى، مثل ليبيا أو سوريا أو اليمن أو أمريكا اللاتينية.

القوات المسلحة حسمت أمرها وانضمت إلى الشعب، وهو أمر يجب أن يوضع فى الاعتبار، لأنه وفّر الكثير من الجهد والوقت، كان اعترافاً بشرعية الثورة الشعبية، وتأكيداً لشرعية الجيش ووجوده كطرف فاعل فى معادلة السلطة.

فى عام 1919 كانت المعادلة هى الشعب، ممثلا فى الوفد والملك ثم الاحتلال، اليوم المعادلة هى الشعب والجيش، الشعب يضم تيارات يفترض أن يبلور كل منها أهدافه، ويحق لكل تيار التعبير عن رأيه، طالما التزم قواعد اللعبة.

هل يبقى الجيش ضامناً للدستور وحامياً له وللدولة أم شريكاً فى الحكم بطريقة أو بأخرى؟ هذا هو السؤال.

لقد بدا الخلاف حول دور الجيش مبكراً، حيث رأى البعض أن قيادات الجيش عينها مبارك، وهى نظرة تتجاهل أن كل المسئولين والأجهزة تم اختيارهم بطريقة أو بأخرى من النظام السابق، أشاع البعض أيضا أن الجيش عندما طلب من مبارك التنحى، تعهد له بألا تتم محاكمته، وهو افتراض يتجاهل معادلات السلطة والنفوذ، لأن الولاء للرئيس هو ولاء للدولة، وأن انتقال السلطات إلى المجلس الأعلى للقوات المسلحة يعنى أن مبارك مواطن تنطبق عليه القوانين، ولم يعد القائد الأعلى للقوات المسلحة.

المجلس الأعلى للقوات المسلحة اتهم بالتباطؤ فى محاكمة الفاسدين، ورد أن المحاكمات يجب أن تكون فى سياق القانون وقواعد العدالة، وأن الثورة التى طالبت بالحرية والعدالة يفترض ألا تمنع هذه العدالة عن المتهمين، وهل نحتاج إلى محاكم خاصة يتم تقنين إجراءاتها؟

وفيما يخص ما جرى فى التحرير يوم جمعة التطهير، فقد كان الحضور كبيراً والمطالب واضحة فى محاكمة الرئيس السابق والتحقيق معه وإسقاط أى نوع من الحماية عنه، حتى يمكن محاسبته. سبقته تحقيقات مع زكريا عزمى وفتحى سرور وصفوت الشريف.

لكن ظهور ضباط من الجيش بملابسهم الميرى وصعودهم على المنصة والهتاف ضد المشير طنطاوى والمجلس العسكرى أثار جدلاً، فقد فرح به البعض واعتبروه متغيرا وكانت سبقها اتهامات وشتائم وانتقادات للمجلس العسكرى بالتباطؤ ومطالب بتعيين مجلس رئاسى.

المؤسسة العسكرية لها قواعدها التى تعتمد على الطاعة، وترفض التمرد السياسى أو العلنى، الضباط واصلوا الاعتصام فى التحرير وتضامن معهم متظاهرون مدنيون لحمايتهم كما طلبوا. الجيش حرك قوات للقبض على الضباط استنادا لقوانينه، وخلال هذا وقعت مصادمات وسقط قتلى وجرحى، وهو ما أثار اتهامات للجيش باستخدام الرصاص الحى.

اتجه الجدل بعيدا وتركز حول مشروعية الجيش والدعوة لإقالة المجلس العسكرى، وتزامن ذلك مع هجوم إسرائيلى على غزة، انتقلت آثاره لحدود مصر، بدا أن ضباط الجيش المتظاهرين لم يضعوه فى حسبانهم، وهم يتخذون قرارهم، وهو ما دفع إلى جدل وخلافات أوسع حول مشروعية التمرد داخل الجيش، وكسر قواعد تمنع من ممارسة السياسة أو التمرد وإثارة البلبلة داخل القوات المسلحة.

لكن فض الاعتصام بالقوة والحديث عن ضرب الرصاص الحى وقتل وجرح متظاهرين أثار انتقادات ووضع علامات تعجب واستفهام، أولها لماذا ترك الجيش الضباط يذهبون للتحرير ثم كان التصادم؟.

المجلس الأعلى يختلف عن الجيش، المجلس حل مكان الرئيس والسلطة التنفيذية وانتقلت له الصلاحيات، وهو أمر كان مطلوباً وقتها لأنه لم تكن هناك مؤسسة يثق فيها الشعب غير الجيش.

وعلى المجلس أن يتقبل النقد بصفته السياسية، ويكون أكثر وضوحاً فى إعلان الحقائق، وإذا كان أعلن أن القوات لم تطلق الرصاص، فعليه تقديم من فعلوا هذا، أيضا يفترض أن الذين يطالبون المجلس الأعلى بتقبل الانتقادات أن يتقبلوا هم أيضا الانتقادات، ويعرفوا أنهم وآراءهم ليسوا مقدسين وأن استمرار المبيت فى التحرير لم يكن مبررا ولم يكن مرتبطاً بهدف محدد.

أما الضباط الذين ذهبوا للتحرير، فما هى الإضافة التى تحتاج تواجدهم، خاصة أنهم لم يظهروا من البداية، وانتظروا شهرين حتى يعلنوا رأيهم، كما أنهم كسروا قاعدة عسكرية، وظهورهم يضر ولا يفيد.

إدانة استخدام القوة أمر طبيعى، لكن أيضا يفترض مناقشة مدى قانونية تصرف الضباط وخطورة هذا على وحدة الجيش، حتى لا نجد أنفسنا فى حرب أهلية أو جدل عقيم، ونظن أن ظهور الضباط فى التحرير وتظاهرهم لم يكن مفيدا، بل ربما كان مضراً، لأنه نقل الجدل بعيدا ووضعنا فى قطار يسير فى اتجاه خاطئ.
إضافة تعليق




لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق

تم أضافة تعليقك سوف يظهر بعد المراجعة



مشاركتك بالتعليق تعنى أنك قرأت بروتوكول نشر التعليقات على اليوم السابع، وأنك تتحمل المسئولية الأدبية والقانونية عن نشر هذا التعليق بروتوكول نشر التعليقات من اليوم السابع
الرجوع الى أعلى الصفحة