"العصفورة" هو الاسم التقليدى الذى يتم إطلاقه على المتعاونين مع أمن الدولة .. كل الزملاء فى المؤسسات الصحفية يعرفون جيدا زملاءهم العصافير الذين ينقلون الأخبار ويكتبون التقارير عن كل دبة نملة تحدث داخل المؤسسة، والطريف أنه خلال السنوات الأخيرة التى شهدت مدا متزايدا للتيار الأمنى فى المؤسسات الصحفية وتصعيدا مستمرا للعصافير إلى المواقع العليا فى المؤسسات الصحفية، لم تعد وصمة "العصفورة" تخيف أحدا، بل أصبح البعض من الباحثين عن الشهرة أو النفوذ أو المهابة يختلق لنفسه سمعة "عصافيرية" فتجدهم يجلسون فى بهو النقابة أو كافيتريا الطابق الرابع بالأهرام يرمقون المتحدثين هنا وهناك، ويرفعون آذانهم مثل قرون الاستشعار محاولين التنصت على أحاديث الآخرين.
فى الوقت الحالى، وبعد ثورة 25 يناير، أصبح لعصافير أمن الدولة معنى آخر، لم تعد الكلمة تعنى الآن البصاصين وكتبة التقارير ومدعى الأهمية، أصبحت عصافير أمن الدولة لا تعبر عن أشخاص .. وإنما أحداث، أحداث مفتعلة تجرى هنا وهناك فى سياق معين والهدف منها أن تشتت تركيز الرأى العام على طريقة " بص العصفورة".
يمكنك أن تضع الفيلم الهندى الخاص بحرق وفرم مستندات أمن الدولة فى إطار هذا السياق، فجأة، وفى اللحظة التى يشعر فيها المتظاهرون بأن مطالبهم قد تمت تلبيتها بالكامل، وبدا أن مهمة هدم النظام القديم قد شارفت على الانتهاء وبدأت مرحلة البناء، يتصاعد الدخان من مقرات أمن الدولة مستفزا المتظاهرين .. و.. ويحدث الهجوم على المقرات ليجد الناس ملفات محروقة وأخرى سليمة تتحول إلى مادة خصبة للجدل والاتهامات وصب المزيد من البنزين فوق النار..
وفجأة وفى نفس الوقت نجد حادثة طائفية غريبة ومظاهرات طائفية تبحث عن كاميرات ماسبيرو وتبدو مثل جملة اعتراضية داخل سياق عام يفيض بالتسامح والوحدة الوطنية بين جميع طوائف الشعب مسلمين وأقباط و"زملكاوية وأهلاوية" .. ونجد خبرا عن إخلاء إحدى الوزارات بسبب بلاغ عن وجود قنبلة، وأخبار عن مظاهرات ينظمها رافضو التعديلات الدستورية وأخرى ينظمها المعتذرون لأحمد شفيق وعصافير أخرى كثيرة يتم إطلاقها فى سماء الثورة لتشتت أنظار الناس هنا وهناك.
أجمل ما فى الثورة المصرية هى حالة التوحد التى سيطرت على الجميع، كان الهدف واحدا والمطالب واحدة، وأهم التحديات التى تواجهها هو أن يستمر التوحد على الهدف الأهم فى الوقت الحالى وهو الخروج من حالة السيولة السياسية وأن نعبر المرحلة الانتقالية سريعا لنصل إلى ما بدأنا المشوار، ونحن نحلم به ونتمناه " انتخابات نزيهة وبرلمان منتخب ورئيس منتخب"، ثم بعد ذلك دستور يكرس الإصلاح السياسى الذى قامت الثورة من أجله .. هذا هو الهدف الأهم الذى لا يجب أن يغيب عن أعيننا مهما طارت فوق رؤوسنا العصافير الوهمية محاولة أن تشتت أنظارنا عن الطريق المباشر المستقيم.