خالد صلاح

برعاية سوبر كورة

سوبر كورة

فاطمة ناعوت

"إيـد واحــدة"

الأربعاء، 02 مارس 2011 07:31 م

مشاركة

اضف تعليقاً واقرأ تعليقات القراء
فى الأيام التى ذهبتُ فيها إلى ميدان التحرير، منذ اندلاع ثورة 25 يناير، وحتى تنحّى الرئيس السابق عن الحكم فى 11 فبراير، فرحتُ كما لم أفرح طيلة عمرى، إذْ شاهدتُ فى الميدان الدولةَ المصرية، كما طالما حلمتُ بها دولة يحبُّ فيه المرءُ أخاه دون سابق معرفة، ويتعاون معه دون عُقَدٍ وأسئلة قِبْليَّةٍ سخيفة حول عقيدة أو طبقة اجتماعية أو مستوى تعليمى أو وظيفى، دولة يؤمن شعبُها أن المحبةَ وحدَها قد جمعته على مشروع واحد. لم يكن ينقصنا إلا مشروعٌ واحد نتحلّق حوله. فمجموعةٌ تلتف حول متحدِّثٍ فى إذاعة الميدان يشرح أسباب تدهور الصناعة والتجارة والزراعة والسياحة فى عهد مبارك. ومجموعة تلتف حول عوَّاد ينشد أغنيات الشيخ إمام بكلمات أحمد فؤاد نجم. تلك الأغانى التى علّمتنا المقاومة وحب الوطن ونحن طلاب بالجامعة فى منتصف الثمانينيات. ومجموعات تسير وتردد شعارات خفيفة الظل تحثُّ على تحقيق الهدف الذى هو مظلّة الميدان الوحيدة: "رحيلُ النظام". أبرز هذه الشعارات وأكثرها ذكاءً شعار: "إيد واحدة". فى الميدان تجد شبابًا يرفعون لوحات عليها رسوم أو صور الشهداء أو شعارات أو مطالب. وعجائز يفترشون الأرض يلفتون الأنظار بطرق مبتكرة تدل على عبقرية كامنة تنتظر من يرفع الغبار عنها. شعارات صُمِّمتْ على لوحات جرافيك مطبوعة بالألوان، وأخرى مرسومة على الأرض بالحجارة، وباعة حلوى وأطعمة خفيفة، أو "نَصبة" شاي، على الأرصفة. عائلات نصبت خيامًا صغيرة، ومصريون من قِبلى وبحرى يفترشون الحُصر ويتمددون جوار أمتعتهم كأنما فى بيوتهم. يدعونك لتشاركهم أماكنهم ولقمتهم. جماعات تحتمى تحت البطاطين من الصقيع، وأخرى تتقى المطر تحت شراع بلاستيكى. على مداخل الميدان شبابٌ مثل الورد يقومون بتفتيشك وهم يعتذرون لك بآخر نكتة متداولة بين المعتصمين. وفى كل أرجاء الميدان باعة أعلام مصر. تناقشُ شابًا أو فتاة أو موظفًا أو رجل أعمال أو ربة بيت، فتجدُ إجابة واحدة حاسمة: "يرحل". ثم تنصتُ للإذاعة الداخلية تطلب خمسين شابًّا لمهمة ما، فترى أضعاف هذا الرقم يندفعون للتلبية. أولئك الذين صنعوا كرنفالاً أدهش العالم، هم أنفسهم الذين رفعوا الأحذية بعد البيان الثالث المتخاذل، وزحف بعضهم باتجاه القصر الرئاسى فى العروبة، فأجبروا الرئيس فى الأخير على الرحيل. تلك مصر الجميلة التى كانت فى الستينيات الماضية، وتاهت منّا فى زحام الفوضى والتشويش لبعض الوقت.

تلك اللوحة الرائعة لم تنحصر فى الميدان فقط، بل وقف شباب من كافة الطبقات والثقافات فى الشوارع يحمون البيوت والأهالى من البلطجية الذين أطلقهم رجال الحزب الفاشى لترويع الناس. شباب اللجان الشعبية الذين قاموا بدور حيوى فى الثورة، مرسلين للثوار فى الميدان رسالةً مفادها: "نحن هنا نحمى عائلاتكم، فظلُّوا فيما أنتم فيه." وأعرف شبابًا حاولوا منذ اللحظة الأولى النزول إلى ميادين الثورة، ومنعتهم أسرهم خوفًا عليهم، بعضهم أصرّ فخرج، والبعض أخفق، فشارك بقلبه.

لذلك، فبقدر فرحى الغامر بنجاح الثورة، بقدر ما أخاف أن تذهب هذه الروح المصرية الجميلة، روح الوطن، وتتوه مرة أخرى مع الأيام. فيعود الموظف إلى التراخى، والبائع إلى الاستغلال، والغنى إلى الاستعلاء، والفقير إلى الشعور بالعدمية. أخاف أن يعود المسلمُ إلى الاستقواء بالأكثرية، والمسيحى إلى الاختباء وراء إحساس القهر. أخاف أن نعود إلى التشاجر بسبب الأهلى والزمالك، وأن يترهل شبابنا الرائع على المقاهى من جديد، ويعود شيكابالا إلى شاشات القنوات التليفزيونية والصفحات الأولى للصحف رافعًا حذاءه فى وجوههم، أو أن نضطر إلى متابعة الخناقات الهزلية بين شوبير ومرتضى. أخاف حدّ الهلع من أن نفقد المكتسب الأكبر والأهم للثورة: الحب والجمال والعمل والعدل.

أرفضُ تصديق أن المصرى "ابن أزمة". يحشد طاقاتِه ومواهبَه وذكاءه فى المحن، وفقط. ثم سرعان ما يعود إلى السكون والكسل. تتراءى أمام عينى عشراتُ المشاهد تشى بذلك من التاريخ القديم والحديث: صورة متظاهرى 1946 على كوبرى عباس يواجهون الرصاص بصدورهم مطالبين بجلاء المستعمر: "الجلاء التام أو الموت الزؤام"، هم أنفسهم الذين استكانوا وراحوا يبحثون للعسكر الطغاة عن مبررات لطغيانهم! صورة رجال الدين مسلمين وأقباطا يتقدمون مظاهرات ثورة 19 يهتفون: "الدين لله والوطن للجميع"، وصورة الشباب المسلمين يصنعون بأجسادهم دروعًا بشرية حول الكنائس تحمى المصلين ليلة 7 يناير، وصورة الشباب الأقباط يحوطون المسلمين فى الميدان أثناء تأدية صلاتهم، يتلقّون عنهم خراطيم المياه تقذفهم بها أجهزةُ حبيب العادلي. أولئك أنفسهم يتورطون الآن فى تفجير هنا أو ترويع هناك؟ أرفضُ تصديق ذلك!

أرفضُ التصديق رغم بزوغ جذور انشقاقات عبثية حول المادة الثانية من الدستور، وهدم سور وقتل كاهن. لا أريد تصديق إلا ما يرسخ فى ذهنى بعمق: أن مصرَ هى مصرُ، لا تشبه أى بلد آخر. دعونا لا نفقد مصرَ من جديد. دعونا نحافظ على روح الميدان: كلُّنا "إيد واحدة".


مشاركة

اضف تعليقاً واقرأ تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق

تم أضافة تعليقك سوف يظهر بعد المراجعة





الرجوع الى أعلى الصفحة