خالد صلاح

فاطمة ناعوت

نحتاجُ رئيسًا بحجم تحضّرنا

الأربعاء، 09 فبراير 2011 07:30 م

إضافة تعليق
فى قلب الأزمة تحدث الرئيس مبارك لمراسلة شبكة "إيه بى سى" الأمريكية، قائلا: "إن الملل أصابه من كونه رئيسًا ويرغب فى مغادرة مكتبه الآن، ولكنه لا يستطيع خوفًا من أن تغرق البلاد فى الفوضى".

وأضاف: "قلتُ للرئيس أوباما أنت لا تعلم ثقافة الشعب المصرى، ولا تدرك ما الذى قد يحدث إذا تنحيتُ الآن"، يرى الرئيس مبارك أن بقاءه هو الضمانة الوحيدة لكى لا تعمُّ الفوضى.

بما أننا فوضويون بالفطرة، ذكرنى هذا بمقولة جمال عبد الناصر عام 1954 "أنا الذى علمتكم الكرامة!"، وأنور السادات الذى أصدر "قانون العيب"، معتبرًا نفسه أبا الشعب الذى تعد معارضته خروجًا عن قيم القرية المصرية.

بعد ثلاثين عامًا على رأس الدولة، لم يفهم الرئيسُ بعد، طبيعة المواطن المصرى، أولئك الثوار فى ميدان التحرير ليسوا إلا مجموعة من صفوة الإنتلجنسيا المصرية من أساتذة الجامعة والأطباء والمهندسين وطلاب الجامعة يطمحون أن تنتمى بلدهم، التى يعرفون مدى عراقتها، إلى مصاف الدول الديمقراطية الأولى، فقرروا الخروج فى مظاهرة بيضاء تحرر مصرَ من حكم شمولى طال أمدُه. ولأن طبيعة هذا الشعب مثقفة وواعية، فى العمق، فى مجمل طبقات الشعب ومستوياته، فقد التفت جموعُ الناس، من جميع أطياف الشعب المتباينة، حول تلك النخبة، فكان هذا الطوفان البشرى الهادر الذى لا خيط يجمعهم، ثقافيًّا وسياسيًّا واقتصاديًّا وطبقيًّا، سوى الإيمان بحتمية التغيير، والحلم بغدٍ أجمل يشرق على مصر وقد عادت ليبرالية تعددية ديمقراطية.

إحدى المتظاهرات أجرت معها قناة الجزيرة مداخلة تليفونية قالت فيها ما يشى بحجم الوعى الرفيع الذى يمتلكه أولئك الثوار. أستاذة جامعية اسمها د. منى بشير، سألتها المذيعة كيف لجماعة من العُزّل يقطنون ميدان التحرير لأسبوعين، أن يختصموا آلة جبارة عاتية تمتلك العتاد والأسلحة والسلطان والأموال والمقدرة على قمع الناس وتحريكهم؟ فأجابتها بأن أولئك العُزّل، يمتلكون ما هو أخطر من كل ما سبق. يمتلكون الإيمان بحتمية إنقاذ الوطن. وهذا متظاهرٌ آخر، د. شريف زحط، الطبيب البشرى، وأستاذ الجامعة، أخبرته المذيعة أن الناس فى البيوت يرجونهم العودة لكى تعود لمصر الحياة الطبيعية، فقال لها إنه ترك بالبيت زوجته وأطفاله، واعتصم بميدان التحرير لأنه يريد أن يعود أطفاله للمدرسة فيجدون تعليمًا حقيقيًّا، ويريد أن يعود إلى عمله بالمستشفى فيجد الدواء الذى يعالج به مرضاه، ويجد الراتب الذى يليق بطبيب، فلا يضطر لفتح عيادة يمتص فيها دماء الفقراء، المتظاهرون جميعهم مثلنا يتمنون أن ينتهى شللُ مصر الراهن، وأن تعود إليها الحياة.. ولكن أية حياة؟ ليس الهدف هو عودة الحياة لمصر، الأهم نوعية تلك الحياة. سألته المذيعةُ لماذا لا يوافق المتظاهرون على منح الحكومة الجديدة فرصة، سيما وقد أعلنوا أن الإصلاح سيحصل خلال ستة شهور فقط؟ فرد عليها بوعى مستنير قائلا: إن الحاكم الذى بوسعه أن يحقق إصلاحًا فى ستة أشهر، وتقاعس عن فعل ذلك خلال ثلاثين عامًا، لا يصلح أن يكون حاكمًا، بل لابد أن يُقدم للمحاكمة".

هذا هو وعى المواطن المصرى الراهن، أولئك هم المواطنون الذين تكاتفوا مع رجال القوات المسلحة ليصنعوا من أجسادهم درعًا بشريًّا عاتيًّا يحمون به المتحفَ المصرى، حين تسلّل إليه اللصوص والبلطجية، الذين تبيّن أنهم من عناصر الأمن، ليسرقوا مقتنياته، أولئك هم المسيحيون الذين أحاطوا بالمسلمين أمس الجمعة 4 فبراير، ليحموا صلاتهم الجماعية ظهر الجمعة، أولئك هم المسلمون الذين خرجوا يوم 7 يناير ليصنعوا من أجسادهم درعًا بشريًّا يحمون إخوانهم المسيحيين فى صلاة عيد الميلاد المجيد، بعد حادث تفجير كنيسة الإسكندرية الذى روّع مصر وأبكى الأمهات والآباء، وجّمع المصريين جميعهم على غضب قلب واحد.
أولئك هم المصريون الذين كانوا يصرّون، ولا يزالون، أن تظلّ ثورتهم بيضاء ناصعة، فيجهضون، فورًا، أى شعار بذىء يرتفع هنا أو هناك. ويمنعون، فورًا، أى متظاهر تأخذه الحماسةُ فيخرج عن طور الهدوء. أحدهم راح يخبط على سيارة بعصبية، فتحلّق حوله خمسة من زملائه، وأمسكوا به قائلين: "عاوزينها سلميةً"، وآخرُ شاهد كرة نار قذف بها أحد القنّاصة على المتظاهرين، فأخطأت طريقها وسقطت على بناية، فاندفع المتظاهرون متسلقين البناية وأسقطوا الكرة الملتهبة على الأرض، لأنهم يعلمون أن تلك ممتلكاتهم وممتلكات مصر التى يخافون عليها من الحزن.

أولئك هم المصريون الذين كانوا يكنسون الأرض وينظفون الشوارع لأنهم يؤمنون أن مصر لابد أن تكون جميلةً، حتى وإن أخفقت حكوماتُ مصر السابقة، فى أن تعيد إليها نظافتها وجمالها اللذين كانا حتى الستينيات الماضية. أولئك هم المصريون. أما المخربون والبطلجية فليسوا مصريين بقدر ما هم صنيعة نظم وحكومات شمولية أنانية فاشلة. حكومات أخفقت فى حب مصر لأنها أغرقت فى حب نفسها وذويا وعملائها فنسيت أن تحب الوطن والمواطنين، الذين من المفترض أنها فى الأساس شُكِّلت لخدمتهم.

لعقود طوال ظللنا نظن أن شعب مصر خانعٌ لا يثور. يرضى بالقدر المقدور، ويقنع من حكوماته بأقل القليل من كل شىء. من الحرية ومن العدالة ومن الشعور بالآدمية. علّمنا القمعُ أن نمنح أمين الشرطة لقب "باشا" خوفًا من بطشه. فبطش السلطان دون سند أصبح قانونًا وشرعًا، ورفضُه أصبح تطاولا وخروجًا عن القانون! فى فيلم "حين ميسرة" راح الضابط يكيل السبابَ لأحد المتهمين، كما هو معتاد فى أقسام البوليس، وحين سبّه بالأم، انتفض الولد وقال له قولا كتبتُ فيه مقالا كاملا وقتها. قال: "بص يا باشا، ليك عليا احترامك، إن كنت قاعد أقف لك، وإن كان فى ايدى سيجارة أرميها، لكن أمى مالكش دعوة بيها." تلك هى الروح التى كتبتُ عنها كثيرا فى مقالاتى. الكفُّ عن ثقافة التواطؤ مع النفس مع الظالم. الظالم وظيفته أن يظلم، لكن هل وظيفة المظلوم أن يقبل الظلم!؟

كدنا نصدق أننا نفتقد الروحَ التى بوسعها تحريك الجموع. لكننا أفقنا على طبيعتنا الصلبة الأبية يوم 25 يناير. ردد المصريون قولة سيزر تشافيز "نعم، نحن قادرون". فاكتشفنا أننا شعبٌ مثقفًٌ راقٍ وقوى. بوسعه أن يخرج فى وقت واحد إلى الشوارع والميادين، يصوغ شعارات واعية تعبر عن رغبة التغيير، والعبور بمصر إلى مصاف الدول المتقدمة التى سبقتنا فى طريق الحرية والديمقراطية، بينما كنّا قد سبقناها بآلاف السنين فى الحضارة والمدنية، قبل أن تسقط مصرُ فى كبوتها الكبرى. فرحنا وافتخرنا بمصريتنا. وكان على الرئيس ونظامه أن يشاركونا هذا الفخر، وأن يكونوا على مستوى هذا الشعب وصحوته، فيرحلوا فى سلام تاركين الفرصة لغيرهم ليقودوا المرحلة الجديدة بأدوات جديدة، تليق بوعى هذا الشعب المتحضّر الجميل.

إضافة تعليق




لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق

تم أضافة تعليقك سوف يظهر بعد المراجعة



الرجوع الى أعلى الصفحة