على الرغم من الاستنكار الشديد الذى واجه الانسحاب المفاجئ لقوات الشرطة فى ذلك اليوم المجيد الذى عرف بجمعة الغضب، وعلى الرغم من كل التبعات التى كادت تصل إلى حد الكوارث التى لحقت بهذا العمل، إلا أنه كان بمثابة الضارة النافعة، كان بمثابة اللطمة التى تفيق الغافل،الشدة التى تجمع ولا تفرق .
فالانسحاب المفاجئ للشرطة وما تبعه من انفلات أمنى فى الشوارع والمدن والقرى وما تبعه من حوادث سرقة ونهب وسلب قد جمع المصريين جميعًا على قلب رجل واحد ووجدنا الرجال والشباب وحتى بعض الأطفال قد هبوا لتشكيل تلك اللجان الشعبية التى وقفت بكل شجاعة وبسالة للدفاع عن الأموال والأعراض والممتلكات العامة والخاصة، ورأينا المسلم وقد امتدت يده لتعانق يد أخيه المسيحى لتتشابك الأيادى جاعلين من أجسادهم درعًا بشريًا لحماية كنوزنا وآثارنا فى المتحف المصرى، ورأينا الأخوة الأقباط فى مشهد هو الأروع وقد أحاطوا بجموع المصلين فى صلاة الجمعة كى يقوموا بحمايتهم أثناء الصلاة، ولا ننسى أيضًا يوم هب المسلمون للتبرع بدمائهم لإنقاذ أخوتهم من الأقباط فى ذلك اليوم العصيب الذى فجرت فيه كنيسة القديسين كان ردنا جميعًا على ما روج له بعض الحاقدين من شائعات، ها هم الأقباط والمسلمون يد واحدة وقلب واحد وليكن هذا المشهد هو أبلغ رد على من يدعى أن بمصر فتنة طائفية.
كما رأينا الشباب والرجال من أبناء الحى الواحد وقد سهروا الليل ووقفوا يحرسون العمارات والمحلات والمنشآت وبعد أن كانت العلاقة قاصرة على صباح الخير يا جارى أصبحوا يدا واحدة واقتربوا أكثر وأكثر وتعارفوا وتبادلوا أرقام التليفونات والإيميلات من أجل مزيد من التواصل جمعتهم الشدة على قلب واحد وعقيدة واحدة ألا وهى حبهم لوطنهم الحبيب.
وعلى الرغم من أن الدرس كان قاسيًا إلا أن الفائدة كانت عظيمة فقد عرف المواطن ووعى جيدا أهمية ما يقوم به رجل الشرطة، كما تيقن رجل الشرطة من أنه لا غنى له عن أخيه المواطن وأن الدور الحقيقى للشرطة هو الحفاظ على سلامة وأمن المواطنين ولعلها خطوة جيدة جدا لتعود علاقة الأخوة والاحترام المتبادل بين الشرطة والمواطنين ولعل هذه المحنة تمسح ما قد مضى من خلاف أو تباين فى علاقة رجل الشرطة بالمواطن.
وها هم قد عادوا إلينا سريعًا ولم يطل غيابهم ولكنهم فى هذه المرة قد عادوا فى زى جديد وروح جديدة ووعى بأن الشرطة فى خدمة الشعب والشعب يد بيد مع الشرطة فى خدمة الوطن.
ولعل الاستقبال العظيم الذى قابل به المواطنون رجال القوات المسلحة يكون الإعلان الأكبر عن حب الشعب وثقته الغالية فى رجال الجيش ويكون الرد الأبلغ على أى حاقد أراد أن يوقع الفتنة أو الدسيسة بين الشعب والجيش وأقول لهم موتوا بغيظكم فمصر الأم قادرة على احتواء أبنائها مواطنين وشرطة وجيش مسلمين
وأقباط وكلنا جميعا يد واحدة وليكن الدرس الذى تعلمناه جميعا هو أن الضربة التى لا تقتلنى تقوينى وحفظ الله مصر من كل مكروه وسوء.